دولة بالقوة.. أو دولة بالفعل
جميل قول الرئيس الضرير، الفلكي والطبيب السوري داوود الانطاكي، المتوفى عام 1599، أن الإنسان، إنسان بالقوة، إذا لم يكن يعلم، وإذا عَلِمَ كان إنساناً بالفعل، وقياساً عليه، تكون الدولة أيضاً دولة بالقوة، أو دولة بالفعل، وقليل منها دولة بالقوة والفعل معاً، والعالم اليوم تعمل فيه دولة القوة على إلغاء أو تفتيت الدولة بالفعل، ومثالها دول عالمنا الثالث، التي لا تمتلك من شروط القوة إلا بعض أدواتها غير الموظفة لأغراض التمكين الفعلي، ولا تمتلك من شروط الدولة بالفعل إلا القشور والاستعراض الحكومي.
كل ما حولنا وما في عالمنا اليوم باهض الثمن، القوة، والفعل، باهضا الثمن، ولأننا دولاً فقيرة بإحداها أو بكلتيها ( القوة أو الفعل )، فنحن ما زلنا نجرب أن لا نكون شيئاً واضحاً، مجرد أننا نعيش في مساحات أرضية بينها حدود.
الدولة القطرية العربية ما زالت لا تنتمي لشيء من هذا التصنيف.. دولة.. الزمن لا يغيرها، بل يكشفها، بحسب ماكس فريش، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.. ربما حتى تولد أجيال جديدة مقطوع عن تركة هذا الجيل الذي عاش كل الخيبات والخسارات وضل يلوك الصبر والرضا بكسل بليد.
صارت ( داعش )، مثلاً، دولة بالقوة، في غضون سنة واحدة، حتى وإن كانت صُنعت لتؤدي دوراً محددا وواضحاً ثم تذهب إلى المجهول، لكن الإرادة والحاجة التي صنعتها أو صنعت بها نفسها كان ذات جدوى وقوة، ونحن في كل هذه القطريات لم تتحقق لنا أي دولة بالقوة رغم توفر الإمكانات المادية اللازمة لبناء القوة.
ليس أمامنا إلا أن ندفع مزيداً من الثمن.. ثمناً لغياب القوة الحقيقية للبناء، وثمناً باهضاَ للفساد، وثمناً باهضاً لغياب الرؤية، وثمناً للخوف، أو الكسل أو القناعة المزيفة المضحوك بها علينا.
في عصر الحروب الصغيرة، في كل مكان، لا مكان لنا بين بين، إما أن نكون دولة بالفعل، أو دول بالقوة.

