صحيفة الكترونية اردنية شاملة

سقا الله أيام زمان

0

95 جريمة قتل وقعت خلال العام الحالي. رقم لا يجوز القفز عنه، لأن فيه انعكاسا لتغير كبير، إن لم يكن انقلابا، في منظومة قيمية، وضعفا تشريعيا، جعلا من القتل مسألة ممكنة كل يوم.

ما الذي تغير؟ ولماذا اختلف الناس حتى صارت إسالة الدماء أمرا يتكرر، فلدينا جريمة قتل كل ثلاثة أيام؟

هل القتل هو الطارئ الوحيد على المجتمع؟ وهل هو التشوه الوحيد الذي يستعصي على الحد منه؟

بين القتل وأشكال العنف الأخرى، رصد سريع للتغيرات التي أصابتنا. ولنكتشف أن كل شيء انقلب على نفسه، ولذا ترانا نردد دائماً عبارة “سقا الله أيام زمان”.

فالتحسر المستمر على الماضي إنما يعكس إدراكا مجتمعيا عميقا لتبدل الحال؛ إذ إن الأشياء لم تعد على حالها، والحياة لم تبق على بساطتها. لقد تغير جوهر وطعم كل شيء؛ ربما بسبب التكنولوجيا ووسائل الاتصال السريع؛ وربما بسبب تكاثر الخيبات منذ سقطت بغداد فتوالت بعد ذلك الكوارث على منطقتنا المنكوبة. ولا تغيب فلسطين واغتصابها عن الذاكرة، فهي العنوان لشعوبنا المهزومة.

أيضاً، لا يمكن الفصل بين التغيرات التي ضربت قيمنا، وتوالي الأزمات الاقتصادية منذ الأزمة المالية العالمية في العام 2008، وما سبقها من نمو لم ينعكس على حياة الشباب.

فالأزمات الاقتصادية التي لم تتوقف منذ الركود الكبير للقرن الحالي، مع ما لها من تبعات على فئات الشباب، من خلال بطالة طويلة المدى خصوصاً، ولدت الشعور بالإحباط لدى هذه الفئات، وأفقدتها الأمل بالمستقبل.

أما شعور التهميش واللاجدوى، فعمقه ضعف المشاركة السياسية وشعور بالإقصاء، ما خلق جيلا محبطا فاقدا للأمل أيضا، لا يبدو له القتل إلا تعبيرا عن تساوٍ بين الحياة والموت أو حتى السجن.

“الربيع العربي” وما رافقه من دماء ودمار، كرّس صورة القتل التي شاعت، ويا للمفارقة، في عهد المطالبة بالديمقراطية والخلاص من أنظمة دكتاتورية؛ فبات إزهاق الأرواح مسألة مقبولة بتأثير الصور اليومية التي يراها الإنسان العربي، وملؤها العنف والاقتتال اللذان لم يتوقفا حتى الآن.

زاد الطين بلة بروز الجماعات المتطرفة التي تستمتع بالقتل وارتكاب الجرائم باسم الدين؛ إذ لا يمر يوم من دون عرض مقاطع فيديو فيها قطع للرؤوس وسفك للدماء، في مشاهد تجسد ممارسات ما قبل عصر الإنسان البدائي.

تفاقم التأثير النفسي للتطرف في غياب الأوعية الفكرية الأخرى التي تملأ الفراغ القاتل الذي يعاني منه الشباب المعطل، أو الغارق في ترف الوقت الفائض عن الحاجة.

رقم جرائم القتل ليس إلا تتويجا لحالة العنف ورفض الآخر عموماً، وضمنه رفض احترام رأيه ومحاورته. وليكون القتل مجرد جزء من حالة العنف العام الذي تفشّى في مجتمعاتنا خلال السنوات الماضية.

فعدد جرائم القتل هو جرس إنذار بشأن القدرة على تقبل الفكرة، ويقيس رغبة المجتمع في سفك الدم والمواجهة مع الآخر لدرجة إنهاء حياته إن هو اختلف معه في الرأي. إذ تشير الأرقام إلى أن ثلثي جرائم القتل ارتكبت لأسباب تتعلق بخلافات شخصية وعائلية، وليست جرمية.

لا يوجد سبب واحد نحمّله وحده دون سواه مسؤولية جرائم القتل. فليس الفقر هو المذنب وحده؛ والبطالة، وإن كانت غير بريئة، إلا أنها ليست المجرم الوحيد؛ وغياب المشاركة والديمقراطية وإن كان يشكل بيئة حاضنة للعنف عموماً، إلا أن تزامنه مع الظروف المعيشية القاسية وصعوبة لقمة العيش ولد شعوراً قاتلا عند البعض، جعلهم أداة سهلة لارتكاب كل هذه الجرائم.

لكن الوقوف عند الأرقام والتنبه لها، يؤكد أن الأمل سيبقى. إدانة الفكرة تدلل على ذلك، وتستعجل إيجاد الحل لها، كما تؤكد أن بالإمكان وضع حد لها قبل أن تتجاوز الخطوط الحمراء؛ فالرغبة بالقتل لا تتوقف إن هي بدأت.

الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.