تقسيمة ناشزة على عود عراقي مكسور..!
في حديث استطرادي، من تلك التي تُخاض لتزجية الوقت وتتنقل بحرية من شيء لآخر بلا منطق مفهوم، أتيت على ذكر عود عراقي كان لديّ وانكسر، وقلت إنه أصبح لديّ عود سوري. عندها، استخرج صديق فكرة بالغة الجدية مما بدا مطلق العبث. قال: “عود عراقي؟! خسارة! ربما لن يبقى ثمة عود عراقي. سيكون هناك عود كردستاني أو عود شيعستاني أو سنستاني!” وأكملت أنا: “ولا عود سوري أيضاً. ربما عود علويستاني، أو سورسنستاني -ولا عود “داعشستاني” على الأغلب!”
بدت فكرة تقسيم العراق وسورية شديدة القبح بشكل خاص بعد ذكر هذه الأسماء –وكأننا لا نتحدث في ذلك كل الوقت. تصور الحالمون القدماء في هذه المنطقة أن العرب الناهضين في القرن العشرين مقبلون على الازدهار والعقل وتأكيد الهوية الحضارية بعد الاستعمارات. تخيلوا أن أصحاب نفس الثقافة واللسان والتاريخ سيبحثون عن المشترك المستلب، أو أنهم سيستثمرون -من مبعث براغماتي إن لم يكن عاطفياً- في تخفيف الحدود للمنافسة في العالَم الشرس وتحسين حياة الجميع. ربما اعتقدوا أن غلطة تضييع فلسطين لن تتكرر، وأننا سنتعلم أخيراً عظة الثور الأبيض من دروس الابتدائية. ولم يحدُث!
الآن، أصبحت المنطقة خرِبة بشكل لا يُصدق. فكر فقط في أيّ سياحة عربية، كما كان بعضنا يفعل بسهولة نسبية إذا ضجر. مستحيل أن تفكر في العراق أو سورية المدمرتين. ستخاف من زيارة لبنان المتوتر أو مصر المأزومة، أو حتى تونس التي تتحسس الطريق. لن تفكر في ليبيا المقطعة بين القبائل وستستثني اليمن. ربما ما تزال الفرصة سانحة للعرب الأحياء فقط لاستراق زيارة لآخر الأماكن المتاحة نسبياً –ربما الجزائر والمغرب وموريتانيا- بينما ما تزال تحمل هذه الأسماء. من يدري! أما بقية الأماكن العربية فليست مضيافة، مغلقة بالأذونات والتأشيرات، وليس لديها ما تعرضه سوى إضافة الهم على الهم. ونحن أيضاً، فوق وقوعنا في بؤرة الحرب، أصبحنا نصارع القلق اليومي ونخشى على بلدنا غوائل الطريق!
أفكر بأن بعضنا أخطأ حين تردد في الزيارة أيام كان العراق عراقاً –مثل الذي ضيع زيارة ما تبقى من فلسطين قبل 67- حين كان بوسع واحدنا أن يأكل السمك المشوي في شارع أبي النواس في غضون ساعات إذا قرر، ويستفيد من فرق العملة في شراء بعض التغيير ومشاهدة حاضرة الرشيد. كان من حسن طالعي الشخصي أنني شاهدت دمشق –حاضرة الأمويين- مرتين قصيرتين، ووقعتُ في غرامها فأصبحتُ الآن أكثر أسفاً! شيء يحير، إذا ضيعنا الزيارة ندمنا، وإذا زرنا رزئنا!
الآن، تتعاظم احتمالات المزيد من الحدود والدول والتأشيرات في المنطقة الخرِبة. وإذا حدث، لن يعود مرغوباً بالسنة في الشيعستانات، ولا بالعرب المسيحيين ولا المسلمين الدنيويين في السنيستانات المتطرفة. سوف يصبح التجوال في المنطقة كمن يحمل رأسه على كفه –حرفياً- لأنهم سيقطعونه له على الهوية، الطائفة، الدين، اصطفافات بلد المنشأ وأي فرق صغير. سوف يصبح المجال الحيوي للعربي هو حارته، أكثر أو أقل!
الغريب أن الكثيرين بيننا –أكثر من أي لزوم- يروجون بقناعة لوجاهة الحرب وتقسيم الدول، وكأن لأبيهم فيها مصلحة! أصبح من المألوف أن تسمع، في اجتماعياتك أو مكان عملك، من يقول إنه لا مانع –بل يجب- ذبح الشيعة، أو تقاضي الجزية من المسيحيين، أو سحل العلمانيين، أو إقصاء الشماليين وتقريب الجنوبيين، أو جعل الأجانب عبرة لمن اعتبر -وكأننا في أسوأ من غابة وحشية يفترس فيها الجميع الجميع! والعالَم يتفرج على خيبتنا ويستمع، بل ويشارك ويمد المتشاجرين بالأسلحة! لِم لا إذا كان من بيننا مَن يشاركون وليس لهم فيما يتصارعون عليه ناقة ولا جمل؟! أي شيء سوى تأبيد سلطة الخراب على المنطقة؟!
كله استطراد صعب التفسير –أو لعله واضح الارتباك حد العجب، شبيه بالعلاقة بين حديث العود العراقي الذي انكسر، وكان سيصبح أثراً ثميناً من هوية بائدة، وبين هيئة الحرب، ومشاجراتنا وتوترنا اليومي، وإحساسنا بأن البرابرة على الأبواب. كله استطراد مفزغ غريب التشابكات، من النوع الذي يحدث فقط في الكوابيس حين يجلس العقل معقود اليدين. بئس الذي يشارك!
الغد

