المجتمعات الفاشلة
في المجتمعات العربية التي اختبرت مبادئ التعايش، سياسا كان أم مذهبيا وطائفيا، كان الفشل حليف أغلبها.
بدا ذلك جليا في مصر وسورية والعراق وليبيا واليمن. ومن قبل الجزائر ولبنان صاحب الخبرة الأطول مع التجارب الفاشلة.
المجتمعات التي نجت من الاحتراب الأهلي هي فقط المجتمعات التي لم تتعرض لاختبار جدي، كالمجتمع الأردني، وإلى حد ما المجتمعات الخليجية المغلقة على جروح ملتهبة.
ليس صحيحا أن المجتمعات العربية كانت حداثية وتؤمن بالتعددية وقيم الديمقراطية قبل عقود، ثم تبدل حالها بعد ذلك. الواقع أن الأنظمة الدكتاتورية بكل طبعاتها هي التي حالت دون انكشاف المجتمعات على حقيقتها، وما إن سقطت الأنظمة حتى انطلقت الهويات الفرعية من عقالها.
في مصر على سبيل المثال، لم تتمكن الثورة الشعبية من إدارة الصراع بوسائل ديمقراطية، وكادت البلاد أن تغرق في حرب أهلية مميتة، فتدخل الجيش لا لتصحيح المسار، إنما للعودة بالدولة لمرحلة ماقبل الثورة؛ حكم عسكري مغلف بالديمقراطية أرهب القوى المتصارعة وحال دون صدامها.
في سورية التي ثارت فيها الأغلبية على حكم الأقلية، غرقت الثورة بصراع الهويات، وانحازت أغلبية الشعب إلى حواضنها الطائفية والمذهبية.
خرج الاحتلال الأميركي من العراق، مخلفا وراءه بلدا محطما لم تقدر طوائفه المختلفة على إيجاد قاسم مشترك بينها حتى الآن، فمضى المجتمع في درب اقتتال طائفي، كانت الدكتاتورية حدت منه لعقود.
كان لليمنيين تجارب مريرة مع التحولات السياسية الثورية؛ انفصال وحروب أهلية، أنظمة مستبدة من كل الألوان، وثورة شعبية عارمة قادها جيل الشباب، إلام انتهت؟ لا شيء تقريبا؛ بلد تتقاسمه المليشيات المتطرفة والمذهبية، وفشل سياسي مدو، وعاصمة تحت الحصار، كحال ليبيا تقريبا التي تواجه صراعا عبثيا بين مجاميع مسلحة اندفعت من بطن المجتمع الليبي إلى السطح بثقافة بدائية وقبلية تسعى لتقاسم الثروة بعقلية القرون الوسطى.
لم ينجح مجتمع عربي واحد في اختبار الأقليات. ثمة ميل فطري لقمعها، وما يمنع بعضها عن ممارسة ذلك القمع سوى انشغاله بمواجهة مع طائفة أكبر، ما إنْ ينتهي منها حتى يعود لممارسة هواية الأغلبية بقمع الأقلية؛ دينية كانت أم عرقية.
هذا السلوك ليس حكرا على مرحلة تاريخية يسيطر فيها تيار سياسي أو ديني بعينه، في أوائل الخمسينيات حيث كان الحضور البهي للتيار القومي العلماني تعرضت الأقلية اليهودية في مصر والعراق لقمع وتنكيل استثمرته الحركة الصهيونية على أحسن وجه. وفي غضون سنوات انتهى وجود اليهود العرب في المشرق العربي عموما.
وذلك الذي يحدث للمسيحيين اليوم ليس جديدا أو طارئا، فقد كان يحصل من قبل تحت ستار الدكتاتوريات القومية، قبل أن تأتي نزعة التطرف الديني لتكمل المهمة. نذكر هنا بالمثل المصري إبان حكم السادات ومبارك.
يصنف لبنان على أنه أكثر المجتمعات العربية تنورا وحداثة، لكنها حداثة مقيتة لمجتمع تحول مع مرور الوقت لكانتونات طائفية مغلقة، مصيرها معلق بتسويات مهددة بالإنهيار في أية لحظة. ما من مجتمع في لبنان أبدا، بل مجتمعات لايمنع من تحولها إلى دويلات مستقلة سوى تفاهمات الكبار في الإقليم.
المجتمعات الناجية كما قلت من قبل هي التي لم تتعرض لاختبار التعايش، ولا نتمنى لها أن تدخله لأن مصيرها لن يكون أفضل من مصير السوريين والليبيين واليمنيين.
هزمت الشعوب العربية الأنظمة، لكنها لم تتمكن من هزيمة خوفها، وجهلها.
الغد

