صحيفة الكترونية اردنية شاملة

سميح القاسم: مُنازَلة خبيثين

0

لئن كان روزنتال يعتبر «الحياة التي تخلو من الشعر حياة غير جديرة بأن تُعاش»، فإن شعر المقاومة الفلسطينية يغدو أكثر من ضرورة لأجل حياة حرّة كريمة، من هنا يمكننا فهم المكانة التي استحقها واحتلها شعراء فلسطين في الوجدان الجمعي حتى غدوا رموزاً يمثل غيابها خسارة فادحة لا على المستوى الإنساني والإبداعي فحسب بل أيضاً على المستوى الوطني العام، وبهذا المعنى كان قدر سميح القاسم (ونظرائه) أن يحمل شعلة الشعر ومعها نار القضية ليقطف منها نوراً يساهم في إضاءة طريق الوعي والضمير، خصوصاً أنه ابن جيل عاش النكبة أضعافاً مضاعفة حين عبرَ ذاك الممر الضيق بين حلم استقلال لم يتحقق وقيام دولة الاحتلال الصهيوني على أرض الآباء والأجداد، وتفتّحَ على فظائع المجازر والاقتلاع والتهجير، فكان من البديهي أن تترسب تلك الصور في أعماق نفسه مضافاً اليها ما سوف يأتي لاحقاً من تجارب اعتقال وسجن وإقامة جبرية، ليتماهى الخاص بالعام والفردي بالجماعي. ولعل بقاء القاسم في الداخل الفلسطيني ساهم في جعل نبرته الشعرية عالية وقصيدته أشبه بنفير عام.

لم يشأ القاسم مغادرة فلسطين، بقي شاهداً على خساراتها ونكباتها ومقاومتها الباسلة، مدافعاً عن حق شعبها بالحرية والاستقلال، رافضاً كل أشكال التخاذل والمهادنة، ولعل قصيدته الشهيرة «يا عدو الشمس» (خطاب في سوق البطالة) تمثل نموذجاً لإيمانه بحق المقاومة ورفضه المساومة عليها، ولهذا الموقف قيمة مضافة كونه لشاعر عاش تحت نير المحتل واختبر صنوف تحايله الهادفة الى تمييع القضية عبر تصوير فلسطين أرضاً بلا شعب ولا هوية، من هنا نجد شعر المقاومة الفلسطينية زاخراً بمعاني الالتزام وتأكيد الانتماء والحرص على استحضار الذاكرة والشواهد التي تبرهن أن هذه الأرض لنا أباً عن جد، ورثناها بالولادة وحليب الأمهات، مثلما ورثناها في الحداء والغناء ومواويل الصبايا وحكايا الجدات، ولطالما ردد القاسم أن شعره هو هويته وجواز سفره، لذا كان لا بد للأدب الفلسطيني أن يحرص على استحضار الحكاية الفلسطينية لترسيخها في الوعي والوجدان الجمعيين لأن الحكايات التي لا نرويها تصبح مُلكاً لأعدائنا وفق ابراهيم نصرالله.

شاعر المقاومة والأرض والجماعة سميح القاسم، لكنه أيضاً شاعر هموم الكائن الفرد خصوصاً في قصائده الأخيرة، لم تنحصر شعريته في التزامه الوطني على أهمية هذا الأمر، ولعله سعى إلى خفض تلك النبرة العالية في نصوصه عبر كتابة قصائد شكّلت التفاصيل الصغيرة المهملة جزءاً مهماً منها، مثلما حضرت فيها القضايا الوجودية التي يواجهها الكائن الفرد بعيداً من انتمائه القومي أو الجغرافي، وفي الإمكان العثور في تجربته الشعرية على خطوط متوازية طوّر عبرها تجربةً شعرية حاول جاهداً إخراجها من الكادر الواحد أو العنوان الأوحد، ولعل قصيدته الأخيرة التي كتبها في مواجهة المرض الخبيث واقتراب الموت أبلغ برهان على ذلك: أنا لا أحبك يا موت لكنني لا أخافك، وأدرك أن سريرك جسمي وروحي لحافك، وأدرك أنّي تضيقُ عليّ ضفافك، أنا لا أحبك يا موت، لكنني لا أخافك.

في هذه القصيدة بالذات تتجلى مواجهة القاسم للموت، وانتظاره له بترفع وأنفة، فالشاعر المدرَّب على مواجهة الاحتلال لم يعد يخشى الموت نفسه، ولئن كان قدره في هذه المواجهة شبيهاً بقدر صديقه ورفيق دربه محمود درويش الذي ذهب عميقاً في مجادلة الموت ومساءلته، فإن المصادفات تشاء أن يرحل القاسم في الشهر نفسه الذي رحل صاحب «الجدارية» فيما أطفال غزة وأبناؤها يصعدون شهداءَ بفعل آلة قتل إسرائيلية مجرمة، والمقاومة التي دعا إليها دائماً تكتب صفحة جديدة في المواجهة المفتوحة مع الاحتلال، مؤكدةً أن فلسطين لن تستسلم ولن تنهزم أمام عدو الشمس…أما سميح القاسم فرحل بعد أن نازل خبيثين: الاحتلال والسرطان.

الحياة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.