انتخاب أردوجان: شأن تركي بتداعيات عربية
من الطريف متابعة ردود الفعل العربية حول انتخاب رجب طيب أردوجان رئيسا لتركيا قبل ايام. الحوار الساخن حول اردوجان يعطي انطباعا وكأن انتخابه جاء عبر معركة في الشارع العربي وليس التركي. ردود الفعل تباينت ما بين الفرحة الشديدة بانتخاب «زعيم المسلمين» الحقيقي الذي سيضغط على إسرائيل وأميركا ويقدم الدعم لغزة وسوريا وباقي المضطهدين في العالم الإسلامي، وما بين الغاضبين على اختيار «امبراطور عثماني» جديد يريد السيطرة على سوريا والعراق ويبسط تأثيره على كافة المنطقة.
في نهاية الأمر الشعب التركي هو الذي انتخاب اردوجان وبنسبة مثيرة للاهتمام لم تتجاوز 54% تثبت بأن الانتخابات كانت ساخنة ولكن شفافة وبأن أردوجان بالرغم من كل انجازاته الكبيرة للاقتصاد والتنمية في تركيا لم يحصل على كرت أخضر تلقائي من الناخبين وهنالك نسبة كبيرة تعترض عليه وهذا ما يشكل ضمانات مهمة جدا في مسار الديمقراطية التركية لا يسمح بالتحول نحو حكم الرجل الواحد الذي ينتشر في العالم العربي.
مع تمنياتنا لمجتمعاتنا العربية بالتمكن يوما ما من انتخاب رئيس بلدية بطريقة ديمقراطية وشفافة فإن انتخاب أردوجان هو شأن تركي داخلي وهو نتيجة لنجاح لا يستهان به لحزب العدالة والتنمية الذي يعتبر الحزب الإسلامي في تركيا. هذا الحزب لم يطلق على نفسه لقب «المجاهدون» أو «المرابطون» أو «الجماعة الإسلامية» التي تحتكر الحق بل اختار اسما ينطلق من مبدأين رئيسيين لا يختلف عليهما مسلم ولا مسيحي ولا بوذي ولا علماني، وهما العدالة التي تعتبر القيمة الأخلاقية الأعلى لإدارة المجتمعات الإنسانية، والتنمية التي هي الهدف النهائي لكل الجهود الإنسانية في كل المجالات.
جاء حزب العدالة والتنمية إلى الحكم لا بالشعارات بل ببرامج عملية في مجالات السياسة والاقتصاد والتنمية تنطلق من الخصائص الداخلية لتركيا، وتمكن من خلال اختيار وزراء تكنوقراط يتميزون بالنزاهة ونظافة اليد وجدية العمل لا من «علماء الأمة» وأصحاب الصوت العالي من تجاوز الأزمة الاقتصادية الحادة في تركيا، ومكافحة الفساد بشكل حقيقي ومؤسسي ومنع تدخل العسكر في السياسة.
المشكلة الرئيسية في أداء اردوجان في آخر 3 سنوات بالذات كانت نمو دافع ذاتي في لعب دور واسع في المنطقة والتحول إلى زعيم إقليمي وبالتالي زاد حجم «الأنا» في السلوك السياسي مما نجم عنه مصادمات مع نسبة كبيرة من المعارضين وزج مجموعة كبيرة من الصحافيين في السجن بتهم مختلفة بسبب انتقادهم لأردوجان. في نهاية الأمر فإن هذا التمدد في الأنا سيقف عند حدود الديمقراطية التركية التي ظهرت في نتائج الانتخابات.
ولا شك أن هناك ضغوطا، إن جاز التعبير مورست على تركيا من قبل الاتحاد الأوروبي لتعديل سياساتها وتشريعاتها بما يتناسب مع تشريعات الاتحاد الأوروبي وخاصة في مجالات حقوق الإنسان وحقوق المرأة وغيرها من الشؤون السياسية والاجتماعية، ولكن كان لحزب العدالة دور ممتاز في «توطين» هذه الإصلاحات من خلال تشكيل لجان تمثل التيارات الثقافية وخاصة الإسلامية لدراسة التشريعات الأوروبية في كل المحاور وحتى في مجالات الإجهاض وغيرها من القضايا الشائكة، لتطوير «توجه تركي وطني» يستند إلى القاعدة الثقافية لتركيا ويتناسب مع متطلبات الاتحاد الأوروبي حتى لا يكون هذا الإصلاح مفروضا من الخارج ومرفوضا من الداخل، وحتى لا يكون الإصلاح استجابة دعائية للمتطلبات الخارجية بل قناعة ذاتية من مؤسسة الحكم التركية مسنودة بتشريعات فعالة.
النتيجة أن تركيا الآن هي دولة مختلفة تماما عما كانت عليه قبل استلام حزب العدالة والتنمية للحكم، بل أن بعض المعلقين الأوروبيين باتوا يعتقدون أن أوروبا هي في حاجة إلى تركيا وليس العكس، وهذا التطور لم يأت من فراغ بل نتيجة جهد وتعب ونموذج هام جدا في الإصلاح الذاتي.
يمكن أن تحب أردوجان أو لا بسبب مواقفه من المنطقة وخاصة في حال كنت من مؤيدي أو معارضي النظام السوري بالذات ولكن لا يمكن ابدا تجاهل نجاح اردوجان في إدارته الداخلية لتركيا ووجود تقاليد ديمقراطية قوية في تركيا تمكنت من ضبط «نمو اردوجان» وعدم تحويله إلى نموذج تركي للطغاة المنتشرين في الدول النامية.
الدستور

