رأي آخر وعلامات استفهام حول التعديل الدستوري المقترح
كمراقب سياسي انظر الى قرارات الملك الاخيرة حول وزارة الدفاع والقوات المسلحة بانها مرتبطة بالتطورات الكبيرة والخطيرة التي تجري في العراق وسوريا وهذا أشار اليه الملك إشارة غير مباشرة بقوله في رسالته الى الحكومة بانها تأتي في اجواء بالغة الخطورة وغير مسبوقة يمر بها إقليمنا . هذه الخطوة الهادفة الى ” تعزيز القدرات الدفاعية العامة للدولة ” و ” بما يمكن الجيش العربي من التفرغ الى وظائفه الدفاعية الاحترافية ” كما ورد في الرسالة ، تؤكد ان بان مسألة الامن الوطني موضوعة على رأس أجندة اهتمامات الملك ومشاغله ، وهو امر يطمئن الاردنيين ويضع حدا للتساؤلات حول مدى استعدادات الدولة لمواجهة اي تطور قد يهدد الحدود الشمالية الشرقية من داعش ومن غيرها .
بالمقابل هناك علامات استفهام اثارها الحديث عن ادراج إرادة ملكية في الدورة الاستثنائية لمجلس الأمة يوم الأحد المقبل تتضمن تعديلا دستوريا يقضي بتغيير آلية تعيين رؤساء الأجهزة الأمنية بحيث يصبح التعيين من قبل الملك مباشرة بدون الحاجة الى تنسيب من مجلس الوزراء . ولعلامات الاستفهام هذه أسبابها ، منها القول بعدم ضرورة التعديل ما دامت العادة قد جرت في معظم الحالات بان الملك هو من يقوم فعلياً باختيار رؤساء الأجهزة الأمنية وان كانت التعيينات في النهاية تصدر بتنسيب من مجلس الوزراء ، فلماذا التوجه لتعديل يحرم مجلس الوزراء من مادة دستورية ترمز الى اهم سلطاته التنفيذية وان كانت عمليا تقتصر على آلية التنسيب دون الاختيار ؟.
مثل هذا الإجراء الدستوري يفترض ان يقدم الى مجلس النواب في ظل شفافية كاملة لبيان الغايات والأسباب ، حتى تنفى عن هذا التعديل ما يتردد من قول بانه تقليص لصلاحيات الحكومة ( صاحبة الولاية العامة ) بما قد يستدعي اعادة تعريف مفهوم ( الولاية العامة للسلطة التنفيذية ) ، ثم كيف لحكومة ان تحافظ على هيبتها وتبسط سلطتها ان كانت لا تملك ( قوة الامن الداخلي ) الذي هو عماد كل حكومة ، وكيف لمجلس النواب والإعلام كممثلين للرأي العام ان يحاسبوا الحكومة على تصرفاتها الأمنية ( خاصة عندما تقع حادثة ) اذا كانت هذه الحكومة لا تملك تأثيرا حقيقيا على مدراء اجهزة لم تأت بهم وليس من سلطتها تغيير من يخطئ او يقصر منهم ؟.
ومن هذه التساؤلات ان التعديل الدستوري الذي يجري الحديث عنه ينظر اليه البعض كخطوة ضد نهج الاصلاح في الوقت الذي حث الملك فيه الحكومة ( برسالته الى رئيس الوزراء حول وزارة الدفاع ) على المضي ” الى مرحلة جديدة من الاصلاحات ” .
والآن بعد ان انتهيت من إيراد التساؤلات العامة التي سمعتها من سياسيين واعلاميين حول المادة الدستورية التي يجري الحديث عنها سأحاول ان اجتهد واقدم رأيي الخاص منطلقا من محاولة قراءة سطور رسالة الملك وقوله بان المرحلة الجديدة يجب ان ترتكز على ” مبادئ الشفافية وتعزيز المشاركة الشعبية وتحمل المسؤولية الوطنية من الجميع “.
ارى في تعديل مهمة وزارة الدفاع وتغيير آلية تعيين رؤساء الأجهزة الأمنية خطوتان على مسار واحد وباتجاه هدف واحد يريده الملك وهو تعزيز الدفاع الوطني على الحدود وفي الداخل ، وبان جلالته الذي يمسك عمليا بملف الدفاع على الحدود بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة ، يريد من خلال التعديل الدستوري الخاص (بالتعيينات ) ان يمسك مباشرة بملف الامن الداخلي ايضا امام الطبيعة المختلفة للتحديات الأمنية والإرهابية من داعش وغيرها ، تحديات من نوع غير مسبوق فهي لا تمثل خطرا من خلف خلف الحدود فقط وإنما هو ( بطبيعة تنظيمه ومنطلقاته وأهدافه ) قد يكون له امتدادات في الداخل .
اذا كان الهدف من التعديل الدستوري هو هذا ، ارى ان اضافة مسؤولية ملف الامن الداخلي الى الملك وإعفاء الحكومة عمليا من ذلك ، سيلقي بأعباء إضافية كبيرة على جلالته ، في الوقت الذي يمسك فيه بملف السياسة الخارجية ويقوم ( بالاتصالات والجولات المستمرة ) في مهمات صعبة تتطلب المتابعة وسط عواصف الإقليم المتقلبة ، لحماية الاردن من تأثيراتها السلبية في المجالات الانسانية والسياسية ، هذا بالاضافة الى ملف القوات المسلحة وسهر جلالته الدائم على منعتها وقوتها . خاصة وان ملف الامن الداخلي اصبح مثقلا بوجود اكثر من مليون ونصف لاجئ سوري ، واذا كانت هذه الحكومة عاجزة عن إدارة ومتابعة ملف الامن الداخلي فالأمر لا يحتاج الى تعديل دستوري انما الى حكومة كفاءة وطنية تجسد مبدأ ” تعزيز المشاركة الشعبية ” وتجسد ضرورات ” تحمل المسؤولية الوطنية من الجميع ” .
ومرة اخرى أقول ان رسالة الملك حول ( وزارة الدفاع ) تبعث على الطمأنينة بان الملك يركز جهودا كبيرة على تعزيز القدرات الدفاعية في هذا الوقت الذي ادخلت فيه ، الأحداث الخطيرة من حولنا ، القلق في كل بيت اردني ، ان كل ما يعزز ويقوي الجيش هو محل تأييد ومساندة من كل اردني غيور على وطنه ودولته ونظامه ، لكني أضيف ، بان حماية امن الوطن وتعزيز قدراته الدفاعية امام هذا الشكل الجديد من الاخطار ، يتطلب خطوات موازية اخرى على الجانب الحكومي والشعبي تعزز الامن الوطني ، لم تعد المخاوف الأمنية هَماً عند الدولة وأجهزتها فقط أنها اليوم ، هًَم الاردنيين جميعا .
في الواقع الراهن من حولنا لا يستطيع اي مسؤول ان يقول للاردنيين اذهبوا واستلقوا وناموا فالأمن الوطني مسؤوليتنا وحدنا وليس مسؤوليتكم ، التجارب المرة في العراق وسوريا وغيرهما تقدم الاف الدروس والعبر بان الامن الوطني يكون حصيناًو صلباً وعصياًعلى الاختراق ان تحول كل مواطن الى خفير والى سند للدولة ورديف للجيش والأمن في مهمة الحفاظ على امن بلاده من اي اختراق .
الأصوات كثيرة من اصحاب الراي ومن المواطنين ( وان كانت لا تجد لها منابر ) الداعية الى ( إصلاحات سياسية ) أعم واشمل في هذه المرحلة الحساسة التي يمر بها الوطن والإقليم ، وعلى رأسها التطلع الى وجود حكومة جديدة قادرة على اعادة بناء ما تقطع من جسور الثقة مع فئات كثيرة من الاردنيين ، وحديث رئيس الحكومة المتأخر عن اعادة هيبة الدولة يجب ان يبدأ فعليا برحيله ، لانه لم يُظهر اي شفافية في وضع الإجابات المطلوبة امام الراي العام بما يخفف من قلق الاردنيين من تأثيرات الأجواء البالغة الخطورة من حولنا ، ولم يقدم هذا الرئيس على اي خطوة تفتح الأبواب للمشاركة الشعبية ، انما جلس غير مكترث على رمال متحركة من حوادث امنية في الجامعات والمحافظات وحتى في شوارع عمان تدل كلها على استهتار بالقانون وبهيبة الدولة .
الامن الوطني هو مسؤولية كل مواطن وليس مسؤولية الدولة والحكومة فقط في هذا الزمن العربي الغارق بالدماء وتمزيق الاوطان وحروب الابادة ومواسم الهجرة واللجوء هربا من البراميل المتفجرة وقطع الرؤوس ، حيث يدفع ملايين المواطنين العاديين تكلفة باهظة بالأرواح والممتلكات والأعراض . نتمنى ان نرى إصلاحات لا علاقة لها بشعارات ديموقراطية نراها بعيدة ، إنما إصلاحات تعزز قدرات الامن الوطني على المستويات الشعبية في جميع المحافظات وبادواتها العشائرية والحزبية من اجل ان يقف الجميع صفا متينا خلف قواتنا المسلحة الرابضة والساهرة على الحدود لحماية امن أطفال الاردنيين وأرواحهم وممتلكاتهم .
[email protected]

