كيف استجاب العالم لإسقاط الطائرة الماليزية وقصف غزة؟
لا يوجد أي إنسان لديه ضمير يمكن أن يقلل من فداحة الجريمة البشعة التي ارتكبتها الميليشيات الانفصالية المدعومة من قبل روسيا في شرق أوكرانيا باسقاطها لطائرة مدنية ماليزية كان على مننها حوالي 300 راكب وأفراد الطاقم. هذه جريمة تدخل في السجل التاريخي لأسوأ الممارسات الإرهابية ولا يمكن أن تمر مرور الكرام ولا بد من معاقبة كل الجهات التي تسببت بها سواء تلك التي أطلقت الصاروخ أو الجهات التي تقدم لهم الحماية. بالنسبة لنا في العالم العربي لا يمكن أن نتجاهل مفارقة مأساوية في الزمان وكذلك حقيقة أن عدد ضحايا الطائرة الروسية يماثل تقريبا عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي على غزة لندخل في مسار مقارنة ما بين ردود فعل الإعلام والسياسيين في العالم على الحدثين.
لم يستطع الرئيس الأميركي باراك أوباما أن يكمل 24 ساعة بدون أن يلقي تصريحا حول إسقاط الطائرة الماليزية مستخدما عبارات قاسية وتهديدية وتتضمن الكثير من العاطفة، أما بشأن غزة وفي نفس التصريح فقد أكد على “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” وكذلك “عدم قبول أن تتعرض دولة في العالم لهجوم بالصواريخ على المدنيين” مضيفا بأنه “يتمنى” على إسرائيل أن تخفف من الضحايا المدنيين للعدوان. كلمات من الانحياز المثير للغضب والإحباط من قبل رئيس كنا نحترمه ونأمل في أن تكون مواقفه أكثر إنسانية وليس بالضرورة أن يكون داعما للحق الفلسطيني.
تختلف أيضا طبيعة الجهة التي ترتكب الجريمة. إسرائيل هي طفل الغرب المدلل ولها الحق في إطلاق القذائف على غزة وحصارها واجتياحها ويجب أن تحظى بكل الحماية السياسية والإعلامية الممكنة. في المقابل فإن إسقاط الطائرة الماليزية يمثل فرصة سياسية نادرة وكبيرة للهجوم على الرئيس الروسي بوتين وسياساته سواء في سوريا أو أوكرانيا أو غيرها. بالطبع هذا ليس دفاعا عن بوتين ولا روسيا لأن تدخلها في أوكرانيا غير قانوني وغير أخلاقي وكذلك دعمها للنظام السوري ولكن في النهاية هنالك جريمة متماثلة تم ارتكابها (لعل جريمة أوكرانيا كانت غير مقصودة أيضا) ولكن الاستجابات مختلفة تماما. بنفس السياق فإن فرنسا التي طالبت عبر الاتحاد الأوروبي بإجراء تحقيق دولي في جريمة الطائرة الأوكرانية تمنع أية مسيرة أو مظاهرة مؤيدة لغزة في فرنسا.
استجابة الإعلام الأميركي والبريطاني كانت مختلفة تماما ما بين الحرص الشديد على إدانة الجريمة في أوكرانيا والتركيز على البعد الإنساني لكارثة الطائرة الماليزية ونوعية الضحايا وحياتهم وخصائصهم، بينما لا يوجد اهتمام بضحايا غزة إلا بالأرقام وحتى عندما تم التركيز لمدة يوم واحد على ضحايا القصف الإسرائيلي لشاطئ غزة تم استدعاء مراسل شبكة أن بي سي الأميركية بسبب تقاريره التي تعاطفت مع الأطفال وذويهم، وتم استدعاء مراسلة سي إن إن التي وصفت الإسرائيليين الذين يهللون للصواريخ الساقطة على غزة بكلمة يستحقونها وهي “حثالة”. الإعلام الغربي يمكن أن يكون منصة هجوم قاسية على “لائحة الأعداء” الذين يرتكبون جرائم ضد الإنسانية ولكنه يدافع عن لائحة الأصدقاء التي تتصدرها إسرائيل.
لا فرق في فداحة الجرائم في أوكرانيا وغزة وكل ضحاياها هم أشخاص أبرياء تعرضوا للموت نتيجة تصرف وحشي وعدواني ولكن شتان ما بين تعامل وردود أفعال المجتمع الدولي تجاه القضيتين. نفاق ومعايير مزدوجة على أعلى مستوى تؤكد غياب الضمير الإنساني وسيادة المصالح والرغبات.
الدستور

