صحيفة الكترونية اردنية شاملة

أيّ بديل للفلسطينيين..؟!

0

في أواخر أيام الانتفاضة الفلسطينية الأولى، سمعت شيئاً لم أكن ألحظه، واستوقفني كثيراً. أخبرني صديق يسمح له جواز سفره الدولي بدخول الأراضي المحتلة، أن الناس هناك يتذمرون؛ أنهم تعبوا من كثافة الموت وخسران الأبناء وفقدان حتى ذلك النوع الغرائبي من “العادية” تحت الاحتلال. كانت تلك انتفاضة سلمية -لمن لا يتذكرون. أصابني ما سمعت بوجع الضمير؛ نحن هنا نشجع ونصفق من بعيد لأناس جعلناهم أكثر من أسطوريين. الذي يعدُّ العصي ليس كمن يتلقى الضرب. إلامَ ندفع أهلنا هناك في حمأة الحماسة؟! ثم، فكرت بأن حصص الفلسطينيين من النكبة ظرفية، لها قليل علاقة بالاختيارات الشخصية. كان يمكن أن تبقى أي عائلة من المنفيين الآن في فلسطين بعد النكبات لسبب ما، فتنقلب المواقع والرؤى. وكما تبين أخيراً، يمكن أن يعاني أي عربي أيضاً خبرة الاحتلال الأجنبي -فوق الاحتلالات المحلية- فيقف أمام حسبة الخضوع، أو المقاومة واتهامه بالجنون والانتحار واللاواقعية.
الآن، وغزة تتعرض لهجمة وحشية أخرى لها اسم (هناك أكثر من عشرين حملة على غزة وحدها، بأسماء، غير الحملة المستمرة التي ضاع اسمها)، يعود نفس السؤال عن المقاومة الفلسطينية وكيفياتها. البعض يقولون إن مواجهة العدو المحتل بالسلاح تفتح باب الجحيم على الفلسطينيين. ونحن نعرف، مهما كان تعبير أهالي شهدائنا بطولياً، أن أحداً في الدنيا لا يمكن أن يختبر موت أحبابه وقصف بيته من دون أن يحزن. بعضنا يقولون إن “حماس” تناوش العدو عسكرياً لتفض عزلتها وتفرغ أزمتها، فتضحي بالأبرياء. يمكن! لكن هذا جزء من المتغيرات الفلسطينية التي لا تستوجب بالضرورة تقريع الفلسطينيين؟ أيُّ بدائل لهم؟ هل سينفعهم نسك غاندي؟ هل يكفل لهم السكوت عيشاً يشبه العيش؟ هل يكون حمل الفلسطينيين السلاح وهم هدف لحرب مستمرة عيباً يستحق التقريع؟ وهل ينبغي أن يستعملوه -إذا امتلكوه- فقط في مواكب الشهداء؟
الفلسطينيون يعانون احتلالاً لا يكاد يشبهه احتلال. ليست الصهيونية في فلسطين قوة كولنيالية لها بلد أساسي تنسحب إليه ببساطة حين تتضايق. الاحتلال في فلسطين مشروع إحلال وإقصاء صريح، منطلق من أيديولوجيا شوفينية مرتكزها وجودي في تناقضه مع الفلسطينيين، وليس إمبريالية تسيرها البراغماتية. لم يختر المشروع الصهيوني التعايش مع أهل الأرض، وإنما قرر إبادتهم فيزيائياً، أو تهجيرهم بالقوة وبكل الوسائل الطاردة التي تجعلهم يرحلون. ولذلك، لم يعنِ قعود الفلسطينيين عن المقاومة في أي وقت أنهم في مأمن من القتل والإذلال والتنكيل.
تحت الاحتلال، وبسببه، خسر الفلسطينيون عشرات الآلاف من الشهداء، ويخسرون كل الوقت. أبناؤهم مسجونون أو مطاردون، وأقاربهم منفيون لاجئون. لم يتوقف دقيقة واحدة هدم منازلهم، وتقييد حركتهم، ومصادرة زروعهم ونثر المستوطنين بينهم كالشوك في الخاصرة. مياههم مسروقة، وسبل عيشهم ضيقة، والإذلال خبرتهم اليومية. محتجوهم السلميون عرضة للرصاص والغاز ومدافع مياه المجاري. باختصار، كل ما يعرضه الاحتلال هو القهر واليأس وفقدان الأمن التي تسلب الحياة من أي معنى. الاحتلال نفسه حالة حرب دائمة على الفلسطينيين، يشنها عدو عنيد يعلن يومياً أنه لا يريدهم، ولن يكف عن التخلص منهم. وحتى الذين يحملون منهم جنسية الكيان لا يسلمون من التمييز والعنصرية والازدراء. فكيف يسكتون؟
بديل الفلسطينيين عن المقاومة لا يعني الرضى بالاحتلال وحراسته فقط -كما فعلت “السلطة” وتفعل طوال عقود. إنه يعني وضع الرأس تحت سيف العدو وانتظار الموت بلا شرف. كان عيب “السلام” الذي ينصحون به الفلسطينيين ولم يعطهم غير الفجيعة، هو افتقار الفلسطينيين لأي وسائل ضغط يستدرجون بها مكسباً. وإذا تعلق كل الأمل بالمؤسسات الدولية المعروفة ببلاهتها وحدها، فهي عاجزة عن تطبيق قراراتها الصادرة أصلاً لصالح فلسطين، ولن تصنع لهم جديداً تحت سوط الفيتو الأميركي. فلسطين ليست الهند، ولا جنوب أفريقيا. فلماذا التعامي عن خصوصية المصيبة الفلسطينية؟!
من التجني اتهام الفلسطينيين المنفيين إذا شجعوا مواطنيهم المقاومين في لحظة احتدام الاشتباك بأنهم يعدون العصي فقط ويهللون، وهم المفجوعون بضياع الوطن والكرامة وشرف المقاومة. ومن الظلم اقتراح أن المقاومة تقود الفلسطينيين إلى حتفهم أيضاً، لأن البديل حتف بلا كرامة. لا صاحب ضمير يتحمس لمصارع الفلسطينيين. إنها فقط نشوة رؤيتهم أحياءً، يقاومون.

الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.