يا مولانا!
هل يجوز لنا الإفطار في شهر رمضان المبارك، في الليلة التي أحرقوا فيها جوف الصبي محمد أبو خضير؟ و للإيضاح أكثر يا مولانا الشيخ؛ هل يجوز لنا نحن كمسلمين أن نفطر على موعد أذان المغرب في ديارنا، بعد استكمال “شكليات” فرض الصوم في نفس ليلة استشهاد الولد؟ أم كان علينا أن نكمل على حرماننا من طنجرة المقلوبة وإبريق “الفيمتو” المثلج ونفس الأرجيلة، ولو لموعد السحور على الأقل، لا لشيء عظيم طبعا يا شيخنا، ولكن حفظا لماء وجهنا أمام الناس! أم لأن الله رؤوف بعباده “غير الرؤوفين على أنفسهم” سيسامحنا على إشاحة وجوهنا عن صورة طفل مات محترقا من الداخل والخارج، حتى لا تتسمم أبداننا من المشهد الفظيع لحظة إطلاق مدفع الإفطار؟ ثم يا مولانا والله نحن لا نحكم على أولادنا! جيل لا يعلم به إلا الله.. تصور أننا حاولنا أن نعرف أكثر حول قضية أبو خضير من الأخبار، لكن أبناءنا، حفظ الله لك أبناءك، حرمونا حتى من “سمة البدن”، وأصروا أن يثبتوا القناة على bien1 لأنهم يفضلون تعليق حفيظ دراجي، في المباريات التي تلعب فيها الأرجنتين.. تصور المصيبة التي نعيش فيها يا شيخنا، وخذ بأسبابنا حين تفتي لنا بجواز الصوم، أو الإفطار لا فرق!
يا مولانا..
هل يجوز لرجالنا الرفث إلى نسائهم ما بين ساعتي الإفطار والسحور، فيما نساء هناك، ليس هناك كثيرا في الحقيقة، ينمن على قارعات الطرق المهدمة، وإلى جانب أنقاض بيوت كن سيداتها ذات شتاءات سبقت الربيع؟ هل يجوز لهم ذلك رغم الحياء المفتعل والتأفف المتواتر فيما بينهما، وهم جالسون على القهوة يناقشون حلولا “منطقية” لنزع فتيل الحرب في سورية، والتي يدعون أنها تشعرهم بضآلة رجولتهم وتقهقر ذكورتهم؟ أم أن الحياة عليها أن تستمر رغم تأوهات الطفلات الصغيرات، في أحضان أمهاتهن الأرامل، وسؤالهن الذي لا يتوقف عن بقية الأخوة الذكور، الذين من المفترض أنهم ذهبوا لجلب الحلوى من آخر الشارع وسيعودون؟ نعم نعم يا شيخنا المتسامح، الحياة عليها أن تستمر، وبكل اللذة المشروعة بدون أن ينتقص منها ذرة!
طيب يا مولانا.. سؤال أخير
هل يجوز لنا اعتبار الصدقة جزءا من زكاة المال، خصوصا وأننا نرى ونسمع عن أسر ضاق بها الحال، وأغلقت في وجهها الأبواب، فارتضوا على أنفسهم أن يقفوا أمام عدسات التصوير التابعة للصحف والمواقع الإلكترونية كعائلات كاملة؛ بالأمهات المرتديات أوشحة تغطي أنصاف وجوههن، والشيوخ المرتمين على جنوبهم من آلام الروماتزم والغضاريف، والأطفال المبتسمين للكاميرات، لا يلوون على شيء اللهم إلا بعض الأمل في محسن يلتقط الصورة ويقرأ شرحها، ثم يتأثر وتدمع عيناه من الحزن، فيجود بما فاض عن نفسه، ويصر أن يكتبوا عنه فاعل خير!
بصراحة يا شيخنا الجليل، مناسبة شهر رمضان المبارك، تتزامن مع الحراك النشيط لوسائل الإعلام التي تتذكر أن هناك فقراء في الجوار، هي فرصة لنا لإخراج زكوات أموالنا، التي تلهينا الدنيا عن تذكرها إلا في هذا الشهر. ونحن والله يشهد، لا نستطيع ابتلاع اللقمة حين يصادف وجود أطباقنا فوق صفحة الجريدة التي نشرت تقارير الحزن إياها!
بوركت يا مولانا على اتساع صدرك، وسماحة خلقك وسعيك الدؤوب في تسهيل الفروض علينا. لولاك ولولا عظمة مقعدك، وجلال حضرتك التي تفرض علينا الخوض في كبائر أمور الحياة، لكنا من الجماعة السطحيين إياهم أصحاب السؤال الشهير: هل قطرة العين تفطر؟!
الغد

