الخلافة مؤسسة بشرية وليست دينية
الخليفة هو الحاكم، وليس له صفة دينية. ولم يكن للأمة الإسلامية خليفة واحد إلا في فترات ضئيلة جدا، لا تساوي شيئا بالنسبة للألف وأربعمائة سنة في مسار الأمة. ولم يكن هذا الخليفة على الدوام سوى حاكم وصل إلى السلطة بالغلبة!
وقد قتل عثمان بن عفان في خلاف داخلي، يمكن وصفه بالنزاع بين الأقاليم والمركز وبين الأقاليم نفسها. ثم قتل علي بن أبي طالب بعد حروب طاحنة بين العراق والشام؛ قتله متمردون سموا “الخوارج”، وهم طرف ثالث في الخلاف والصراع. ولا يمكن أن يتقاتل كبار الصحابة في وجود نص واضح.
ولم تستقر الحالة للأمويين، الخلفاء الذين صاروا خلفاء بالغلبة والقوة والقهر؛ فقد استقلت الحجاز ومصر عنهم فترة طويلة من الزمن، حتى استردها عبدالملك بن مروان بعد صراعات طويلة ومعارك، قتل فيها الصحابة والناس في مكة والمدينة، وهدمت الكعبة بالمنجنيق! وفي أثناء ذلك، كان العباسيون يديرون شبكة دعوية قادوها سرا، بعدما خدعوا الأمويين وأوهموهم بأنهم اعتزلوا للعبادة والزراعة في الحميمة (البلدة الأردنية القائمة شمال العقبة بسبعين كيلو مترا)، ليتبين أن 64 سنة أمضاها العباسيون في هدوء كانت تحضيرا لثورة شاملة عارمة ضد الأمويين، أو لنقل ثورة فارسية يقودها العباسيون ضد العرب والأمويين. واستطاع الأمويون إنشاء دولة مستقلة بهم في الأندلس تسمت بالخلافة، واستمرت حوالي ثلاثمائة سنة.
أما العباسيون، فقد نازعهم الخلافة الإسماعيليون الفاطميون الذين استولوا على معظم الأقاليم الإسلامية، وأداروا من القاهرة دولة “خلافة” امتدت من المغرب إلى الشام، وأجزاء واسعة من خراسان والهند. واستقلت عن العباسيين دول كثيرة في مصر وشمال أفريقيا والهند والعراق، واستولى على السلطة التنفيذية فيها الجيوش التي أنشاها العباسيون من الترك (سموا فيما بعد المماليك ثم انفردوا بالسلطة)، أو دول داخل الدولة لها السلطة ويسمى رئيسها السلطان، مع بقاء الخليفة في بغداد يملك ولا يحكم، مثل البويهيين والسلاجقة. ثم استقل السلاجقة بأنفسهم وزحفوا غربا وشمالا وتوسعوا على حساب البيزنطيين، حتى قضوا على دولتهم وأنشأوا دولتهم المستقلة عن العباسيين والمماليك.
وظلت الخلافة العباسية في أيام المماليك مستمرة حتى العام 1517، عندما انتهت دولتهم على يد الأتراك العثمانيين. وفي أثناء ذلك، قامت دول إسلامية في الشرق؛ في إيران والهند وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا (أندونيسيا وماليزيا)، لا علاقة لها بالعباسيين والعثمانيين أو غيرهم. وكانت الغزوات التركية المغولية التي تبدو في ذاكرتنا حروبا بين المسلمين والكفار، هي في الحقيقة حروب بين المسلمين أنفسهم، ويعتبر تيمورلنك اليوم رمزا وملهما في أوزبكستان. ولم يكن العثمانيون يدعون الخلافة؛ كانوا سلاطين يقودون الخلافة ولكنهم ليسوا خلفاء، ولم يكونوا مختلفين عمن بعدهم ومن قبلهم من الحكام.
وباختصار، فإن الدول “الإسلامية” أو “الخلافة” هي ممالك ودول قامت كما كانت تقوم السلطة في ذلك العصر؛ تحميها القوة والغلبة وليس النصوص الدينية، ومرت في مراحل من التقدم والتخلف والفشل والنجاح والعدل والاستبداد. وعلى سبيل المثال، فإن دولة المماليك التي استولت على السلطة كليا بين العامين 1249-1517، وكانت قبل ذلك مركز سلطة وقوة في دولة العباسيين والأيوبيين، هي دولة الجيش المكون من جنود وقادة عسكريين يُشترون عبيدا في السوق. وقد أثار العالم المشهور العز بن عبدالسلام (من بلدة كفر الماء) جدلا دينيا عندما أفتى بأن السلاطين هؤلاء عبيد لا تصح ولايتهم، وأجبرهم بتأثيره الديني والجماهيري على أن يعتقوا أنفسهم. ويسمى العز بن عبدالسلام في التراث العربي “بائع الملوك”.
هي سلطة إذن، قامت بالغلبة والقوة. ولا يغير من حقيقتها وجوهرها أن تسمى خلافة، أو أن تُنسب إلى الرسول أحاديث عن الخلافة!
الغد

