صحيفة الكترونية اردنية شاملة

سنغافورة تتحدّى لندن في تحديد أسعار الذهب العالمية

0

مصائب قوم عند قوم فوائد، لربما تترجم تلك الحكمة العربية الشهيرة، بشكل واضح في الصراع الدائر بين الدولار والذهب. فخسائر تجارة الذهب تعني أرباحا للمضاربين على الدولار والعكس صحيح، فأسعار المعدن الأصفر تحقق في بورصة لندن أعلى سعر لها خلال الشهرين الماضيين، وذلك مع تراجع قيمة الدولار جراء البيانات السلبية للاقتصاد الأمريكي.

فقد تراجعت قيمة الدولار لأدنى مستوى لها خلال سبعة أسابيع، وذلك في مواجهة سلة من العملات تضم عشر عملات دولية، من بينها اليورو والين والجنيه الاسترليني. وبعيدا عن التذبذب الأسبوعي أو الشهري لأسعار الذهب في العالم، فإن الخبراء في مجلس الذهب العالمي يعتقدون أن المنحنى السعري سيشهد خلال الـ 20 عاما المقبلة اتجاها تصاعديا، والسبب يكمن في الاقتصادات الآسيوية.

فقد شجع التقدم الآسيوي في قطاع الذهب سنغافورة التي تعد أهم المراكز البنكية في تقديم الخدمات المالية في آسيا، على السعي لتحدي سطوة لندن في سوق الذهب العالمية. فالطلب الآسيوي الكبير على الذهب حفز بورصة سنغافورة لأن تعلن عن إطلاق ما يعرف بعقود تسليم الذهب في أيلول (سبتمبر) المقبل، لتوجد بذلك آلية أولية تشبه بورصة لندن لتحديد أسعار الذهب، على أن تبدأ تلك الآلية بتحديد الأسعار على المستويين المحلي والإقليمي – في بداية الأمر – مع السعي لتطويرها مستقبلا، خاصة أن الصين أكبر مستهلك للمعدن النفيس في العالم، وقد أعلنت رسميا عن ترحيبها بهذه الخطوة، ورغبتها بأن يكون لها كلمة في تحديد أسعار الذهب عالميا.

ويعلق لـ “الاقتصادية” نيك راي الخبير في شؤون أسواق الذهب قائلا: “لا يجب الاستهانة أو التقليل من شأن الخطوة التي أقدمت عليها سنغافورة بدعم صيني، فهذه الخطوة تعكس التحول الجاري في سوق الذهب العالمية لصالح القوى الآسيوية، وحالة عدم الارتياح التي تنتاب تجار الذهب في آسيا، بأن يتم تحديد الأسعار في “الغرب”، والحجة التي تستخدم في هذا السياق مقنعة للغاية، فالصين أكبر منتج للذهب في العالم، وطلب الصين والهند معا يمثل نصف الطلب العالمي، فما الذي يجعلهما يخضعان لقرار البنوك البريطانية في تحديد أسعار الذهب، بينما لا تعد لندن منتجا أو مستهلكا يذكر للمعدن النفيس” ويضيف، “بالتأكيد إذا واصل الطلب الآسيوي على الذهب نموه، وأصبح الطلب على الذهب آسيويا في مجمله، فلن يكون في إمكان بورصة لندن أن تواصل احتكارها لتحديد أسعار الذهب العالمية”.

ويعتقد البعض أن نجاح الصين وسنغافورة في تحديد أسعار الذهب، وفقا لآليات العرض والطلب المحلي أو الإقليمي، سيكون أكثر واقعية، وسيساعد على خلق أوضاع أكثر اتزانا في الأسواق، وبما يساعد على نمو أكثر رسوخا واعتدالا في أسواق المعدن الأصفر.

ومع هذا فإن البعض يتشكك في قدرة سنغافورة في تحدي التاريخ العريق لبريطانيا في تحديد أسعار الذهب.

و قال لـ “الاقتصادية” جون الد المدير التنفيذي لوحدة المتابعة الخاصة بآسيا في مجلس الذهب العالمي: “لكي نفهم طبيعة التحولات الراهنة في أسواق الذهب، يجب أن نتابع بشدة مستويات النمو الاقتصادي في البلدان الآسيوية الكبرى مثل الصين والهند، وكذلك التطورات الاقتصادية في منطقة الخليج”، مضيفا: “نتيجة سنوات طويلة من انحصار التنمية الاقتصادية في أوروبا وأمريكا، فإن أغلب مخزون الذهب العالمي تركز في تلك المنطقة من العالم، وتحكم الأوروبيون والأمريكيون لعقود طويلة في هذه التجارة الحيوية، فقد كانوا القادرين على امتلاك كميات كبيرة من المعدن النفيس – أفرادا أو حكومات – مدعومين في ذلك بقوتهم الاقتصادية. إلا أن الوضع في إطار التغير الآن، فالصين والهند وبلدان جنوب شرق آسيا ومنطقة الخليج تشهد معدلات نمو مرتفعة، وتنمو لديها طبقة متوسطة “جائعة” و”نهمة” لامتلاك أكبر كمية من المعدن الأصفر، وبنوكها المركزية تسعى لاقتناء كل ما يمكنها من ذهب، إنهم يريدون تأمين مستقبلهم بشراء كميات كبيرة من المعدن الأصفر، ولهذا فإن الذهب يتحول الآن من ملكية الأوروبيين والأمريكيين إلى الآسيويين، وهذا هو سبب الاضطراب الراهن في أسواق الذهب، وسيتسمر ذلك لفترة طويلة مقبلة”.

وفي تصريح لـ “الاقتصادية”، قال جون ريتشي من بورصة لندن: “لسنغافورة محاولة سابقة لتحدينا عام 2010، وقد ذهبت محاولتهم أدراج الرياح، فتحديد أسعار الذهب ليست عملية تقنية أو قضية خبرات، وإنما سوق المعدن النفيس يعتمد على كلمة واحدة هي مفتاح السر ألا وهي “الثقة”، وبورصة لندن تتمتع بثقة عالمية عند تحديد أسعار المعدن الأصفر. ومن ثم تحديها ليس بالأمر الهين”.

إلا أن هذه الثقة اهتزت في الآونة الأخيرة، نتيجة الشكوك الدولية المحيطة بعملية تحديد أسعار الذهب في لندن، فالآلية الراهنة تعتمد على أربعة بنوك تتمتع بالقول الفصل في هذا المجال، وأخيرا انتابت العديد من المؤسسات الرسمية والخاصة شكوك بشأن تلك العملية، وسط اتهامات بأن هناك تلاعبا من قبل تلك البنوك عبر تبني أساليب محاسبية مشكوك في مصداقيتها، وتجاهل لآليات العرض والطلب الحقيقية، واستخدام آليات أخرى تخدم المصالح الخاصة للبنوك الأربعة. وهو ما دفع بالسلطات الأوروبية والأمريكية إلى التحقيق في هذا الشأن.

لكن هذا لا ينفي أن ما يعتبره البعض “جوعا” آسيويا للذهب، خاصة لدى الصينيين أكبر مستهلك للمعدن الأصفر في العالم، يخلق ظواهر سلبية في سوق الذهب العالمية، تتجاوز الغش التجاري البسيط في هذا المحل أو ذاك أو عند هذا البائع أو ذاك، إلى مؤامرات واسعة النطاق لشركات الذهب الصينية تصل إلى مليارات الدولارات.

فقد كشف مكتب التدقيق الوطني الصيني عما اعتبره البعض فضيحة العصر بتورط نحو 25 شركة من الشركات المتعاملة في الذهب بالحصول على قروض بقيمة 15 مليار دولار بضمان احتياطات المعدن النفيس لديها، لتكتشف بكين لاحقا أن الأوزان المعيارية لهذا الذهب غير دقيقية. وأثارت تلك الفضيحة هزة في الأسواق العالمية.

وقد صرح لـ “الاقتصادية” الدكتور جبمس جلين من اتحاد السبائك البريطانية، قائلا: “تمثل هذه الفضيحة نموذجا ملموسا، على أن الخلل الكبير بين العرض والطلب، وغياب قوانين صارمة في تجارة المعدن النفيس يمكن أن يؤديا إلى كوارث اقتصادية”، مضيفا “علينا أن نتخيل وضع سوق الذهب العالمية، إذ تم إدخال تلك الكمية الهائلة من الذهب “المغشوش” وغير المطابق للمواصفات في الأسواق المحلية في الصين أو في الأسواق العالمية عبر التصدير، الأمر لن يقف عند حدود أسواق الذهب وفقدان المصداقية في هذه السوق الحساسة، بل إن تداعياته الاقتصادية ستتجاوز ذلك”. وعلى الرغم من تضافر مجموعة من العوامل المشتركة التي أدت إلى ثبات الطلب الصيني والهندي على الذهب في الآونة الأخيرة، إلا أن أغلب التوقعات تشير إلى أن أسعار المعدن الأصفر ستتراوح بين 1370-1372 دولارا أمريكيا للأونصة مستقبلا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.