استطلاع أداء النواب يعكس واقعا مؤسفا!
وجدت صعوبة كبيرة في محاولة كتابة مقال حول الهجمة النيابية التي قامت مؤخرا بسبب ما قيل انه قيام لجنة إدارة مهرجان جرش بتحديد مقعد في الصف الثاني لرئيس المجلس وليس في الصف الأول مما اعتبره النواب إهانة لمجلسهم وقلة احترام له. السبب في ذلك أنني أعجز عن استيعاب وفهم هذه الطريقة من التفكير، ولماذا يمكن لأي شخص في الدنيا أن يعتبر أن وجوده في الصف الثاني إهانة له شخصيا أو إهانة للمؤسسة التي يمثلها. هل أكتب ساخرا من كل الموضوع، أم أكتب ناصحا بعدم الاهتمام بهذه القضية الشكلية من قبل النواب والتركيز على تحديات أهم مثل الأحداث المؤسفة في معان أو المقلقة في العراق وفلسطين؟ كل هذا الكلام سيكون بلا فائدة لأنه الفئة المستهدفة منه وهي النواب غير مستعدة لسماع اي رأي مخالف.
حاولت أن أجد ضالتي في الاستطلاع العلمي الذي أجراه مركز القدس للدراسات السياسية حول أداء مجلس النواب والذي تم في الأسبوعين الأولين من شهر ايار الماضي، وقبل إندلاع الأحداث الاخيرة في العراق حسب الملاحظة التي وضعتها الدراسة، وكأن ما حدث سوف يغير من أداء المجلس أصلا! النتيجة الرئيسية التي خرج بها الاستطلاع أن نسبة الرضا عن أداء المجلس هي 29% وهي نسبة متوقعة وضعيفة. لكن النتائج الأكثر إثارة في الاستبيان تتعلق بمدى معرفة ومتابعة عينة الاستطلاع نفسها لأداء المجلس والتي تثبت أن المشكلة ليست فقط في المجلس نفسه ولكن في مدى تعامل المجتمع معه في حال كانت العينة التي تم استطلاع آرائها تمثل المجتمع الأردني فعلا.
في الاستطلاع تم الطلب من العينة تحديد النواب الأفضل أداء حسب وجهة نظر العينة وكانت النتائج مدهشة لأنها عكست مباشرة أسماء النواب الأكثر صخبا وظهورا في وسائل الإعلام وليس بالضرورة الاكثر فعالية أو كفاءة أو تأثيرا أو تنفيذا للدور الدستوري المطلوب في التشريع والرقابة. لائحة الاسماء التي مثلت النواب “الأفضل أداء” تعكس تماما واقع أن المجتمع يهتم بالصوت والصورة والتصريحات الإعلامية أكثر من العمل الجدي. لم يظهر في اللائحة اي من نواب المبادرة النيابية الذين كانوا الأكثر عملا وجهدا في إطار التشريع والرقابة وتطوير البدائل والسياسات التنموية الجديدة ولا من النواب المستقلين الذين أظهروا كفاءة عالية في محاولات تحسين أداء المجلس من ناحية الإصلاح الداخلي. يمكن تفسير هذه الظاهرة بأن حوالي 25% من المتابعين لأداء المجلس يعتمدون على القنوات الفضائية المحلية في المتابعة مما يجعل من الشخصيات النيابية دائمة الظهور في هذه الفضائيات اصحاب الحظوة الأكبر في الاهتمام والمتابعة.
واحدة من المؤشرات الإيجابية في الاستطلاع كانت نسبة تقييم أداء السيدات الأعضاء في مجلس النواب الحالي، فقد بلغ مؤشر الرضا (50.7%)، وبمقارنة هذا المؤشر مع مؤشر الرضا العام عن مجلس النواب الحالي، نرى أن هناك فرقاً واضحاً لمصلحة السيدات وهذا يؤكد بأن الكوتا النسائية، بالرغم من التحفظات عليها قد ساهمت في إنتاج نواب من السيدات قمن بأداء ايجابي ومهم على الأقل في تغيير الصورة النمطية السائدة عن المرأة في العمل السياسي.
حول أداء مجلس النواب في معالجة القضايا الداخلية كانت التفاصيل أكثر إقناعا حيث أفاد أكثر من نصف المستجيبين بأن أهم المشاكل أو القضايا التي تواجه المواطن في الوقت الحاضر تتركز في ارتفاع الاسعار وغلاء المعيشة (54.2%)، ثم البطالة (16.9%) والفقر (15.7%)، والفساد والترهل الاداري والواسطة (5.9%)، والأمن والاستقرار (2.0%)، وجود اللاجئين السوريين والجنسيات الاخرى (1.2%)، وقضايا تتعلق بتطوير الاداء الحكومي (1.1%). وفي هذا السياق يرى نحو (83%) من المستجيبين أن معالجة المجلس النيابي لهذه المشكلات ضعيفة وضعيفة جدا.
سواء كانوا في الصف الأول أو الثاني أو في منازلهم ومكاتبهم، من المهم للسادة النواب أن يقرأوا هذا الاستطلاع ويعرفون راي المجتمع بهم والمسؤولية التي تقع على عاتقهم في تحسين أدائهم أكثر من الغضب على موقع بروتوكولي لا يقدم ولا يؤخر في تحديات السياسة والتنمية في الأردن.
الدستور

