مجتمعات جاهزة للتدمير الذاتي
بالرغم من التباينات الكثيرة في تفاصيل الحياة السياسية وواقع حال كافة الدول العربية التي دخلت مغامرة “الربيع العربي” مضافا إليها العراق الذي يمر بمرحلة مشابهة إلى حد ما، يمكن أن نلحظ وجود قاسم مشترك بين كافة هذه الدول في التحولات التي تمر بها وهو قاسم مشترك سلبي ولن يسعد اي من المتفائلين بأن الربيع العربي سوف يمثل نقطة انطلاقة نحو الديمقراطية والحرية والعدالة والتنمية.
الملاحظة الرئيسية هي أنه فور ضعف أو انسحاب القوة السلطوية الأمنية التي كانت تتحكم بالقرار والممارسات السياسية وحتى السلوك اليومي في تلك الدول، لم تظهر منابر الحرية في هذه المجتمعات بل ظهرت الضغائن والأحقاد والتقسيمات الطائفية والجهوية وبات المجتمع منقسما على ذاته مستغلا الفراغ الأمني لتصفية حسابات الكراهية السابقة. هذا الأمر رأيناه بأقصى درجات الوحشية في العراق بين السنة والشيعة والآن في سوريا بين العلويين والسنة وفي الحالتين دفع المسيحيون والأقليات الأخرى ثمنا باهظا لهذا الصراع. في ليبيا اختفت السلطة الدكتاتورية للقذافي ولكن ظهرت السلطات المحلية في المدن والميليشيات والتوجهات الفكرية المختلفة. لم تعد ليبيا بلدا موحدا في واقع الحال بل مجموعة من المدن التي تحكمها ميليشيات وتتصارع مع بعضها. في مصر كادت الأمور أن تنجر نحو مسار سيء في المواجهات التي حدثت بين المتطرفين الأصوليين والأقباط في عدة حالات وما بين أنصار مرسي وأنصار الدولة العميقة. في مناطق كثيرة تسببت الفوضى الأمنية في ظهور العصابات المسلحة والميليشيات المحلية وتحكمها في أقوات ومصائر الناس.
يبدو من المثير للمفارقات أن نلاحظ في هذا السياق أن التحول الذي حدث في اليمن كان أقل الحالات دموية وانقساما بالرغم من استمرار المواجهات بين الحوثيين والسلطة أو بين أنصار الرئيس السابق والمعارضة. في هذه الحالة يمكن وبكثير من الاستغراب أيضا أن ننسب الفضل للرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي يفسر البعض إصراره على عدم تسليم السلطة إلا وفق جدوله الزمني الخاص بأنه أراد ضمان عدم وجود فراغ أمني يمكن أن يجعل الدولة اليمنية تنهار كما حدث في العراق وسوريا وليبيا.
السبب الرئيسي وراء هذا التحول نحو الانقسام يعود إلى أن الدول العربية جميعا -ربما باستثناء تونس- فشلت في بناء مجتمعات ودول حديثة ذات تماسك اجتماعي وولاء ايجابي صلب نحو الدولة وليس الارتباطات الفرعية والجهوية. في المجتمعات العربية لا يوجد مواطنون للدولة بقدر ما توجد جماعات إقليمية وعشائرية طائفية ومذهبية مضطرة للعيش سوية تحت سلطة أمنية واحدة قد تنجح أو تفشل في إبقاء تلك التناقضات قيد السيطرة. هذه السلطة السياسية والأمنية غير معنية ولا راغبة ببناء مجتمع حديث يذيب الولاءات الضيقة لأنها تدرك بأنها ستبقى “الجهة المرجعية” التي يلجأ لها الجميع لتحل خلافاتهم وتحميهم من الوقوع في فخ الصراع الدموي.
عندما تبالغ تلك السلطة في اساءة استغلال قدراتها وتمارس التضييق والتهميش والقمع على جموع الناس إلى درجة تفقد فيها الأغلبية القدرة على التحمل يصبح الخيار هو الإطاحة بتلك السلطة ولكن بدون التفكير المسبق بما هو بديل. النتيجة تكون في غياب السلطة الأمنية التي تمارس الظلم على الجميع ولكن في المقابل ظهور الميليشيات والتنظيمات الفوضوية التي تتكون عادة من اسوأ العناصر في المجتمع وأقلها تعليما وثقافة وأكثرها عنفا وتعصبا لتقود المرحلة الجديدة وتحكم بالحديد والنار والفكر المتعصب وتقذف كافة مكونات المجتمع نحو أتون الصراع الطائفي والمذهبي والعشائري الذي لا يرحم أحدا.
بدون بناء مجتمعات حديثة موحدة سياسيا وثقافيا فإن إزالة السلطة الأمنية مهما كانت قاسية ومتسلطة يعني سيادة الفوضى على كل الخيارات الاخرى ومنح الفرصة لأسوأ فئات المجتمع للقيادة وتصدر المشهد.
[email protected]
الدستور

