صحيفة الكترونية اردنية شاملة

‘القابلية للديمقراطية’!

0

يختزل كثير من السياسيين والإعلاميين الحالة الإسلامية الحديثة والمعاصرة بخريطة الحركات الإسلامية على المشهد، بالرغم من أنّ هذه الحركات لا تمثّل، على صعيد الاتجاهات الفكرية، إلاّ لوناً من الألوان الإسلامية، بينما تتوارى وتغيب تماماً المدرسة الثقافية الإسلامية عن هذا الاهتمام؛ وهي المدرسة التي يمثّل الإمام محمد عبده رائدها الأول في العصر الحديث، ويعتبر مالك بن نبي أحد أهم أعمدتها الرئيسة.
تختلف المدرسة الثقافية عن تلك الحركية التي ظهرت، لاحقاً، مع حركات الإسلام السياسي، بأنّها ترى أنّ جوهر المشكلة العربية ليس سياسياً في الأساس، بل هو ثقافي اجتماعي يتعلق بالتخلف والأميّة والمفاهيم الدينية المغلوطة التي جعلت الدين آلة للتقليد لا التجديد والتنوير العقلاني.
أحد أهم الانتقادات التي تنهال على هذه المدرسة، إهمالها أو عداؤها بعبارةٍ أدقّ للعمل السياسي، وإصرارها على أولوية التربية والتعليم والإصلاح الديني، وعلى إعادة ترتيب المقدمات والنتائج؛ بجعل نهوض المجتمعات وتنميتها الشرط أو الرافعة الحقيقية للإصلاح السياسي، بمعنى أنّ الديمقراطية لا تنشأ من الفراغ ولا تحيا في بيئة غير مؤهلة لها!
هذه المدرسة التي تصاعدت مع محمد عبده، وازدهرت مع جمعية العلماء المسلمين في الجزائر، تعرضت لانحسار شديد وتراجع كبير بعد ذلك، وحلّت محلها المدرسة الحركية الإسلامية، التي تتمثّل في جماعة الإخوان المسلمين، والتي ترى أنّ العلمانية والتغريب والقلق على هوية المجتمعات العربية والمسلمة، هي مصدر التحدي والتهديد الأساسي، لذلك عادت إلى قلب المعادلة، فجعلت الإصلاح المطلوب مرتبطاً بتديين المجتمع والسياسة، من دون الانتباه إلى أنّ الحلقة المفقودة ما تزال تتمثّل في غياب الإصلاح الديني.
عزلة المدرسة الثقافية وانكماشها، تضاعفا بعد ثورات الربيع الديمقراطي العربي. إذ ثارت الشعوب وقامت بإسقاط الزعماء، وطالبت بالديمقراطية، فبدا، للحظة تاريخية عابرة، وكأنّنا “حرقنا” مراحل كبيرة وتجاوزنا بقفزة واحدة قروناً طويلة من الخبرة الأوروبية في محاولة ترسيخ النظم الديمقراطية هناك!
كما تعلمون، اكتشفنا لاحقاً أنّ القضية ليست بهذه السهولة والتسطيح. فإذا كانت الشعوب العربية أثبتت توقها للديمقراطية والحرية والعدالة، وكسرت قيود ثقافة القبول بالاستبداد، والتي شكّلت أحد أهم أسلحة الأنظمة الدكتاتورية العربية، إلا أنّ هناك مراحل وخطوات أخرى من الضروري أن تقطعها هذه الشعوب للتخلص من القيود الأخرى، والقوى الإقليمية والمحلية التي ما تزال تعمل بصورة دائمة على ممانعة قيام هذه الأنظمة الديمقراطية!
لا نقول، بالضرورة، إنّ مقولات المدرسة الثقافية صائبة بالكلية، لكنّها مهمة وأساسية في إدراك أنّ عملية الانتقال من الوضع الراهن المتخلّف إلى العالم المتقدم ليست مرتبطة فقط بثقافة الثورة على الاستبداد والظلم، وتكسير القابلية للاستبداد، بل ببناء القابلية للديمقراطية، عبر عملية تنمية مفاهيم وقيم وثقافة جديدة تترسّخ وترسّخ معها أنظمة سياسية تؤمن بالتعددية الدينية والسياسية والثقافية، وبدولة القانون، وبدور تنويري للدين، وبثقافة مختلفة عن ثقافتنا الاتكالية الراهنة. وربما هذا ما يعطي أهمية في اللحظة الراهنة لأفكار مالك بن نبي، ورؤيته للمسألة الثقافية ودورها في الإصلاح اليوم، ويدفع بالمجتمعات العربية وقواها المختلفة، التي تجاوزت هذه المدرسة تماماً ولم تلتفت لها، إلى إعادة قراءتها مرّة أخرى على ضوء الفوضى الراهنة.
ثمة كثير مما يمكن أن يعطيه مالك بن نبي لنا اليوم، مثل التركيز على أهمية تحرير الثقافة من الجمود والسلبية والاتكالية (استبدال الواجب بالحق)، وتعزيز مفهوم المسؤولية الأخلاقية للمجتمعات، والتأكيد على أولوية التربية والتعليم، والإصلاح الذاتي وعدم انتظار التغيير من الحكومات، وبدلاً من ذلك تأسيس مبادرات مجتمعية تنموية، والاهتمام بالجانب الاقتصادي.. فمثل هذه المفاتيح مفقودة من السجالات السياسية العربية الراهنة.
الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.