‘الانتخابات البلدية’ التركية.. الانقسام العربي حاد
عندما كان المواطن التركي البسيط يدلي بصوته في الانتخابات البلدية قد لا يكون مدركا ان اهتماما عالميا وترقبا واسعا للورقة التي يريد ان يضعها في صندوق الانتخاب، ومراقبة حثيثة لرأيه عن المرشحين المتنافسين.
الانتخابات البلدية التركية حازت على مساحة واسعة من تغطية وسائل الإعلام العربية المختلفة. وعكست التغطية مستوى الانقسام عربيًا بشأنها خاصة بين النخب؛ بين مؤيد ومتعاطف مع حكومة العدالة والتنمية وبين معارض لها. كما بدا واضحًا حال الانفصال بين قطاعات من نخب عربية عبّرت عن اتجاهات لاديموقراطية، وبين شرائح واسعة من الرأي العام العربي الذي بدا متعاطفًا مع المعركة التي يخوضها أردوغان في مواجهة تحالف واسع يشمل قوى تركية وإقليمية ودولية بدت مستميتة لإطاحة حكمه.
هذا ما لاحظه تقدير الموقف نشره اليوم المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات، الذي قال فيه: إن بعض القنوات الفضائية العربية ذهبت في تغطيتها إلى حد التجييش المباشر على حزب العدالة والتنمية، إذ وصفت أردوغان بأنه “ديكتاتور”، و”ذراع الإخوان المسلمين الضاربة”، و”اليد الطولى للمؤامرة الكونيّة”، و”العميل الأميركي والصهيونيّ” … إلخ. كما عبّرت تغطية هذه القنوات عن انفصال عن الواقع بدا واضحًا في تفكير رغائبي تمحوّر حول خسارة أردوغان وحزبه الانتخابات على الرغم من أنّ أغلبية استطلاعات الرأي كانت ترجِّح فوزه ولو بنسب متفاوتة.
وبالمقابل، – يقول تقدير الموقف – عقب إعلان النتائج غير الرسمية، استحوذت قضية الانتخابات على اهتمام المتفاعلين في وسائل التواصل الاجتماعي ولا سيما موقع تويتر؛ إذ انتشر “هاشتاغ” كبير تفاعل معه ملايين العرب بعنوان “فاز أردوغان”، وحضرت في هذا النقاش قضايا عربية أساسية مثل الثورة السورية، والموقف من الانقلاب العسكري في مصر، والقضية الفلسطينية. وقد أظهرت وسائل التواصل الاجتماعي تعاطفًا غير مسبوقٍ لدى شرائح واسعة من الرأي العام العربي مع حزب العدالة والتنمية، كما بيّنت مدى الانقسام بين المستوى الشعبي العربيّ وبعض نخبه الحزبية والسياسية.
ويرى التقدير ان نتائج الانتخابات المحلية التركية شكلت نصرًا سياسيًا كبيرًا لحزب العدالة والتنمية في تركيا، ولحلفائه في المنطقة، ولأنصار الممارسة الديمقراطية في كل مكان، كما شكّلت في المقابل نكسة كبيرة للخصوم الذين أرادوها فرصة للقضاء على إمكانية استمرار الحزب وزعيمه في حكم تركيا وفي تبني سياسات خارجية مؤيدة في العموم لتطلعات شعوب المنطقة وحقها في اختيار حكومات تحقق لها ثنائية الحرية والكرامة الإنسانية. بيد أنّ المعركة لم تنته بعد، ففي الأفق جولة جديدة عنوانها الانتخابات الرئاسية التي تجري في آب المقبل؛ إذ يتوقع أن يحشد الطرفان لها كما حصل مع الانتخابات البلدية، لتبقى تركيا بوزنها وأهميتها عنوان صراع يمتد على اتساع المنطقة، ويتوقع أن تؤثر نتائجه في جميع من فيها.
وانتبه التقدير الى أهمية الانتخابات البلدية ودلالات الفوز فيها، وقال: نادرًا ما تتحول انتخابات محلية في أي بلدٍ إلى شأن إقليمي ودولي، وبتداعيات سياسية يمكن أن تمس عموم المنطقة الممتدة بين بحر قزوين شرقًا والمتوسط غربًا.
وتابع، لم تحز انتخابات محلية في أي بلد على اهتمام إعلامي وسياسي كما حازت الانتخابات المحلية التركية، فانقسم الرأي العام خارج تركيا وداخلها بالدرجة نفسها تقريبًا.
وقال يعود هذا الاهتمام والانقسام والاستقطاب إلى عوامل أساسيه عديدة أهمها: وزن تركيا الإقليمي، والدور البارز الذي تؤديه في معظم ملفات منطقة الشرق الأوسط، وتحوّل الانتخابات إلى ما يشبه استفتاء على شخص رئيس الحكومة، وبخاصة بعد أن تعهد باعتزال السياسة في حال خسر حزبه البلديات.

