حول الاعتداء على الأطباء
استعمال العنف والقوة الجسدية لإجبار الناس على القيام بعمل لم يستجيبوا له بالحوار والكلام، هو أمر معيب بكل المقاييس، ومرفوض من حيث المبدأ، لأنه يعتبر تصرفاً همجياً، وغير إنساني. وحين يكون الطرف المُعتدى عليه طبيبا أو ممرضا، أو غيرهما من أصحاب المهن ذات الطابع الإنساني، فإن العيب يكون أكبر، ورفضنا لهذا التصرف يكون أشد.
لكن ما نلاحظه، في حالات الاعتداء كافة على الأطباء والكوادر الطبية التي عادت للظهور في مستشفياتنا، هو أننا بينما ننتقد وندين ذلك التصرف المشين والهمجي، فإننا لا نسأل الطبيب عن السبب وراء الاعتداء عليه: هل كان بنيّة مبيّتة، أم لمشكلة وقعت ساعتها، أم لأمر يتعلق بالحالة النفسية غير المتزنة التي يعانيها ذوو المريض أو المصاب، وبخاصة لأن معظم حالات الاعتداء تقع في أقسام الطوارئ؟
ثم إننا لم نتعود أن نسأل الطرف الآخر، المعتدي، عن وجهة نظره، وأن نستفسر منه عن سبب اعتدائه على الكادر الطبي، وعن الأمر الذي جعله يفقد أعصابه ويقوم بضرب الطبيب، الذي يُفترض أنه من سيساعد مريضه على الشفاء. فلعل عند ذلك الطرف، رغم أنه مخطئ ومدان، ما يستحق أن يُسمع، بخاصة لأنه حين يقوم بضرب الطبيب، فإن مريضه يفقد فرصة تلقي العلاج العاجل.
نتساءل عن هذه الأمور لأننا نعتقد أن حل هذه المشكلة لا يتم بالوعظ، ولا بالحراسة الأمنية للأطباء؛ وإنما بالتخلص من الأسباب المؤدية إليها. لذلك، فإن أول الحل هو التعرف عن قرب، وبموضوعية وحيادية، على الأسباب الدافعة لهكذا اعتداءات، ومن الطرفين معاً: المُعتدى عليه، والمعتدي.
لا ريب أن ثمة أمراً كبيراً يدفع مواطناً يحمل مريضاً إلى قسم الطوارئ في المستشفى، على عجل، لأن يترك حال مريضه وينشغل بضرب الطبيب أو الممرض. قد يكون ذلك الأمر الكبير، يتعلق بسوء السلوك الاجتماعي للمواطن المُراجع، فيكون ممن يمارسون العنف البدني واللفظي مع الناس في الشارع والعمل والسوق وكل الأماكن، وهنا تكمن المشكلة في الثقافة الاجتماعية التي لا تمكّن الشخص من التعامل بشكل متحضر مع الآخرين.
لكن المشكلة قد تنبع أيضاً من سوء سلوك طبيب أو ممرض مع المواطنين المراجعين؛ فالثقافة الاجتماعية غير المتحضرة التي قد توجد عند مواطنين، قد تتواجد أيضاً، وللأسف الشديد، عند بعض الأطباء، فهم في كل الأحوال بشر غير معصومين، يخطئون ويصيبون.
ثم إن بعض الأطباء، وبخاصة في المستشفيات الحكومية، قد يعاملون الناس بطريقة استعلائية؛ فالمجتمع يُنزل الطبيب منزلة عليا، وثمة أطباء ينظرون لأنفسهم بسبب ذلك على أنهم متميزون في المجتمع. صحيح أن كثيراً من الأطباء يفهمون البعد الإنساني لمهنتهم، ويتعاملون مع الناس بتواضع جمّ، لكن بعضاً آخر قد لا يكون أدرك ذلك البعد. ولما كان عمل الطبيب في المستشفى الحكومي غير مرتبط بالمبلغ الزهيد عادةً الذي يدفعه المواطن لصندوق المستشفى، فإن شعوره بالتميز عن الناس قد ينعكس على طريقة اتصاله بالمواطن المُراجع، بدليل أننا لم نشهد اعتداءات مماثلة في المستشفيات الخاصة التي يُعامل فيها المواطن، الذي عادة ما يدفع مبالغ كبيرة نسبياً لقاء العلاج، بلطف شديد. كما أن علينا ملاحظة أن الطبيب في المستشفى الحكومي، باعتباره موظفاً حكومياً، قد يكون متأثراً بالسلوك البيروقراطي البطيء السائد في العمل الحكومي، وهو أمر لا يطيقه مراجعون يحملون مريضاً مصاباً أو في حالة حرجة إلى الطوارئ، ويعتقدون أن على الطبيب معالجة مريضهم من دون إبطاء؛ فإذا ما كان الإبطاء، فقدوا أعصابهم.
يبقى أن حل هذه المشكلة يستلزم التعامل معها من دون مواقف مسبقة، ومن دون أحكام جاهزة؛ مع أو ضد أي من طرفيها، فالحل الناجح هو الحل العادل.
الغد

