الاغتراب.. تمجيد اللاطبيعي!
لا شك في وجاهة القول بأن الإنسان هو ثروة الأردن ومورده الأغلى. لكن الكثيرين منا روّجوا -بلا كثير من التدقيق- لحكاية أن الأردن يفتخر بكونه مصدراً للعمالة المتعلمة الماهرة -بمعنى أنه وطن أصلي لأفواج من المغرَّبين الذين يبنون أوطان الآخرين. وكنتُ من بين الذين كتبوا في شيء من ذلك في سياق الدعوة إلى استعادة رفعة التعليم الأردني، ولصالح تأهيل أبنائنا للمنافسة في أسواق العمل الخارجية. وفي نفس الإطار، رأيت أن خطأ استراتيجياً وقع في عدم توجيه أموال المغتربين الأوائل، أيام طفرة النفط، إلى استثمارات إنتاجية تشغّل الأردنيين، بدلاً من تجميدها في المساكن المترفة. باختصار، تعاملنا مع فكرة اغتراب أبنائنا وكأنها قدر حتمي، وميزة تستوجب التباهي. لكن هذه الفكرة كلها تنطوي على مصادرة.
البلدان التي تعلّم أبناءها وتدربهم، إنما تفعل ذلك في الأساس لكي يبنوها ويَعمُروها هي. وإذا قال البلد لأبنائه إنه يهيئهم (على حساب آبائهم عندنا)، لكنه لا يتسع لهم ويضيق بكفاءاتهم، فإن هناك خللاً كبيراً في فكرة البلد من الأساس. عندما يتحدثون عن استثمار اليابان في الإنسان مثلاً، يقولون إنه يعاني ندرة في الموارد الطبيعية، لكنه أحسن تعليم أبنائه فصنع من نفسه ومنهم شيئاً مهماً. لم نعرف أن اليابان يباهي بتصدير عقول مواطنيه كنمط قمين بالمديح. إن عقل الياباني هو البلد نفسه، والذي يصبح البلد بائساً من دونه. في المقابل، تكون العمالة التي يستغني عنها بلد مثل الهند، ويقذف بها إلى الضنى في الخليج والمغترَبات، عمالة غير ماهرة تفيض عن حاجة هيكل الاقتصاد الصاعد واللافت. أما أن يصدر البلد أبناءه المؤهلين، ويستورد مكانهم عمالة غير ماهرة ويدعي أنه مقصَد للرزق، فأمر لا يستوجب الفخر بقدر ما يستوجب عتاب الذات. إننا لسنا بلداً بلغ بناؤه الكمال وفاض واغتنى حتى الملل. إننا ببساطة، بلد لا يستطيع أن يوفر عملاً لأبنائه في بنائه، بينما من الواضح أنه محتاج جداً إلى البناء!
الفكرة عن جلب المغتربين عملة صعبة، ليست دقيقة كثيراً. إنهم ينفقون معظم ما يكسبون في البلدان غالية الكلفة التي يعملون فيها. وفي الغالب، يكون استثمارهم الأوحد في البلد هو شراء شقة أيضاً، يدخرونها للزمن ويتركونها غالباً فارغة. ليس هذا استثماراً إنتاجياً إلا بقدر تشغيل العمالة المستوردة في البناء، وإثراء أصحاب العقارات. الذي يحدث هو أن البلد، والمغتربين، يدورون في دائرة شرسة. المغترب يقول لنفسه: أتحمل الغربة بضع سنين أجمع فيها ما أعود به لأعيش في وطني. والبلد يوهم نفسه: أرسل أبنائي بضع سنين، فيجلبون ما أبني لهم به اقتصاداً منتجاً يغنيني ويعيش منه أحفادي.
المغترب تصطاده الغربة، والبلد يصطاده نمط التغريب. المغترب، يقنع نفسه دائماً بأن يعمل سنة أخرى ويعود، فتتعاقب السنوات ولا يعود. كل مرة يكتشف أن كل ما قطعه عن نفسه وادخره لن يحميه من الغوائل إذا عاد إلى اقتصاد استنزافي يحرق النقود مثل السجائر، أو أنه لن يجد في البلد عملاً يقيه العوز. يكتشف أن حاصل جمع عرق كل المغتربين طوال عقود لم ينتج حداً أدنى من اقتصاد يُرتَكن إليه في الوطن. وبعد فترة، يصبح فيها اللاطبيعي هو القاعدة، يصدمه الارتباك الذي حل سهواً بثنائية الوطن والمنفى. عندما “يعود” في إجازة، يضيق أبناؤه المولودون والناشئون في المغترَب (وأحياناً هو نفسه)، الذين يحسون بأن الوطن هو المنفى، وبأن المنفى هو الوطن. وهكذا، لا يقسو البلد الذي يطرد أبناءه على أولاده فقط، وإنما يكون قد ألقى بأحفاده -أبنائهم- إلى العراء وباعهم، ببساطة.
منتهى النفاق تصوير كثرة المهاجرين من البرد والهاربين منه كفضيلة محمودة. الاغتراب شيء اسمه فيه، يكافئ الهجرة والمنفى. والبلد الذي يستريح إلى تغريب أبنائه ليعتاش من مرارة اغترابهم، هو أشبه بمستمرئ العيش على الإعالة ولا يحب تسمية الشيء باسمه: اقتصاد عالة. إنه ضحية أوصيائه الذين يحددون أقداره ويصنعون خطابه ويختارون إبقاءه عليلاً طارداً ويضعون ماله في جيوبهم الخاصة. لكنه لا ينبغي الاعتذار عن فساد التدبير بتمجيد تغريب/ غربة أبنائنا اللاطبيعية، وتمرير ذلك بضمير مخدور!
الغد

