وادي السيليكون معروف بكونه مصاباً بالرهاب، لذا فمن المفهوم أن أصحاب المشاريع ورؤوس الأموال الذين يموّلون الأعمال هناك، يحترسون من المخاطر ويتساءلون عن الشخص التالي الذي سيعمل على تهميش شركاتهم واستثماراتهم. إن حياة شركات التكنولوجيا قد تكون قصيرة بشكل لا يصدق – يمكن أن يتغير تعريف ما هو رائج، في لحظة وجيزة جداً.
عندما يتعلق الأمر بما إذا كانت تقييمات شركات التكنولوجيا مُضخمة بشكل مصطنع، كشفت دراسة غير رسمية في مؤتمر نظمته فاينانشال تايمز في بالو ألتو، أن عدد الحضور الذين كانوا مصابين بالرهاب، لم يكن كبيراً. في الواقع، هم يعتقدون أن جيل اليوم من شركات التكنولوجيا، خاصة تلك الموجودة في خدمة السحابة، ووسائل الإعلام الاجتماعية ومجالات البرمجيات والخدمات، هي ضمن حدود إمكانية حدوث فقاعة. لقد كان عالم التكنولوجيا الحديثة قوياً لأعوام حتى الآن. في 2013، ارتفعت عمليات الاكتتاب العام الأولي لشركات التكنولوجيا 80 في المائة في المتوسط، وهو أداء لم يتجاوزه سوى عمليات اكتتاب قطاع الرعاية الصحية، التي حققت عائدات بنسبة 93 في المائة. وفقاً لبيانات من ديلوجيك، فإن الأمور أفضل بكثير حتى الآن لهذا العام؛ حققت عمليات اكتتاب شركات التكنولوجيا عائدات بنسبة 88 في المائة، تاركةً قطاع الرعاية الصحية بعيداً في المرتبة الثانية بنسبة 48 في المائة.
مع ذلك، في الوقت نفسه، فإن شركات التكنولوجيا القديمة، التي تبلغ قيمتها السوقية أكثر من 50 مليار دولار، تتداول بمعدل 10 إلى 12 ضعفاً من نسبة السعر إلى الأرباح، وهو معدل أكثر تواضعاً من متوسط المعدل الذي تتداوله الشركات في مؤشر ستاندارد آند بورز 500 والبالغ 15 ضعفاً.
هناك العديد من الحجج التي تقول إن الطفرة هذه المرة ستكون مختلفة، على الرغم من أنه في بعض الأشكال لم يتغيّر الكثير، منذ انفجار فقاعة الاقتصاد الجديد منذ أكثر من عقد من الزمن. المقياس الذي يتم من خلاله الحكم على شركات التكنولوجيا لا يزال لا يتعلق بأرباحها من النقدية. يقول المتشككون إن هذه الشركات الجديدة ستعاني في سبيل تحقيق أي شيء قريب من الأرباح المستقبلية التي تشير إليها تقييماتها الحالية.
علاوة على ذلك، لقد كان إنفاق الشركات على التكنولوجيا ضعيفاً، بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة. وفقاً لبيانات من بنك جيه بي مورجان، فإن الإنفاق الحقيقي على معدات التكنولوجيا المتطورة قد ارتفع أقل من 2 في المائة على مدى العام الماضي وبالكاد ارتفع أكثر من 2 في المائة على مدى الأعوام الثلاثة الماضية. في النهاية، كما أضاف المتشككون، مع تدفق المزيد من الأموال إلى سوق الأسهم بسبب العوائد المنخفضة من أي مكان آخر، فإن الطلب على أسهم شركات النمو سيصبح متضخماً.
بالنسبة إلى القاطنين في سيليكون فالي، هذه المرة لا تشبه أبداً فقاعة التكنولوجيا السابقة – من وجهة نظرهم الجماعية كان ذلك قبل جيل من الزمن. لقد خلق النطاق العريض عدداً لا يُحصى من الفرص للشركات التي لم تكُن موجودة قبل 15 عاماً، عندما لم يكُن هناك وصول إلى الإنترنت عن طريق الهاتف الجوال.
أما اليوم، فعدد الأشخاص الذين لديهم وصول إلى الإنترنت عبر الجوال قد انفجر. يقول أحد مستثمري التكنولوجيا: “إن الأمر يتعلق بتزويد خدمات أكثر مما هو بيع منتجات. كما أن نماذج الأعمال الموجودة هي أكثر ربحية” – على الأقل بعضها. وذلك يعني أن هناك فرصاً أكثر.
خلال الطفرة الماضية، اعتقد العاملون في المصارف المتخصصة بالتكنولوجيا، أن إطلاق شركة ناشئة يتطلب ما لا يقل عن 100 مليون دولار. اليوم، انخفضت التكلفة إلى جزء صغير من ذلك، ما يعني أن الحواجز لدخول السوق أقل من أي وقت مضى، الأمر الذي يجعل المنافسة حادة أكثر بكثير.
قد تكون الشركة التي على وشك تهميشك موجودة على الجانب الآخر من الكوكب، ولا يمكنك حتى لفظ اسمها، ناهيك عن فهم معنى الاسم فعلاً. إضافة إلى ذلك، كونك منافساً قوياً فإن حركية “الفائز يأخذ كل شيء” ليست جيدة بما فيه الكفاية.
إن الاستثمار في شركات التكنولوجيا الجديدة يتطلب عقلية مختلفة تماماً عن الاستثمار في الشركات الصناعية التقليدية.
في الأسبوع الماضي، على سبيل المثال، اشترت شركة بلاكستون شركة أكيوفانت، لأمن الفضاء الإلكتروني، مقدّرةً إياها بنحو 250 مليون دولار – وهو مبلغ ضئيل بالنسبة إلى شركة استحواذ عملاقة. يقول أحد الأشخاص المطلعين على الصفقة: “إن السعر الذي دفعته شركة بلاكستون لم يكُن الأضعاف المُضاعفة التي تدفعها عادة. لقد كان أعلى بكثير”.
بالنسبة إلى الأشخاص الذين ينظرون إلى العملية التجارية من الساحل الشرقي، فقد كانت الصفقة عبارة عن شراء شركة خدمات لديها إمكانات نمو ضخمة. مع ذلك، فقد كانت، بالنسبة إلى الأشخاص الموجودين على الشاطئ الغربي، عبارة عن صفقة تكنولوجيا صافية، وذلك دفاعاً عن وجهة نظرهم بأن التكنولوجيا هي أينما يوجد النمو، وأن المزيد من المستثمرين التقليديين مثل شركات الأسهم الخاصة، عليها الاعتياد على سداد الديون والنظر في قياسات مختلفة على حد سواء. ناهيك عن أن العديد من الشركات الصغيرة ليس لديها دخل.
ويعتقدون أيضاً أن هؤلاء المستثمرين التقليديين بحاجة أيضاً إلى أن ينتبهوا إلى التكنولوجيا، لأنها في سبيلها إلى تهميش المحافظ الحالية، إلى جانب الأعمال الأساسية لشركات التكنولوجيا القديمة، أي الشركات من قبيل سيسكو وجوبيتر وآي بي إم، التي تصبح بصورة متزايدة ضمن قصة الأمس. السبب في ذلك هو أنه لا يكفي أن تصنع صناديق أفضل أو أرخص، حين تستطيع البرامج أن تفعل ما كانت تفعله الصناديق.
لا شك أن الشركات القديمة تستطيع شراء الشركات الجديدة المنافسة لها، لكن لا يوجد عدد كبير من أصحاب المشاريع يرغبون في بيع شركاتهم. يتساءل أحد المصرفيين المختصين في التكنولوجيا: “لماذا لا يريدون أن يركبوا موجة التعويم في البورصة؟” من الواضح أنهم يعتقدون أن الموجة أمامها مسافة لا بأس بها، قبل أن تبلغ أوجها.

