إصلاحات غائبة
تقدر هيئة تنظيم قطاع الكهرباء الفاقد من التيار الكهربائي (المسروق) من قبل المواطنين في مختلف محافظات المملكة بنحو 300 مليون دينار في العام الواحد.
وتقدر وزار المالية قيمة التهرب الضريبي من مختلف أشكاله بما يزيد عن 600 مليون دينار، وهو مبلغ كبير يعادل 10 في المئة تقريبا من مجمل إيرادات ضريبة الدخل.
وترى الحكومة أن هناك قضايا مالية عالقة في المحاكم الأردنية منذ سنوات عديدة تتجاوز قيمتها 800 مليون دينار بعضها حديثا والبعض الآخر مضى عليه الدهر.
وتشير عمليات الرقابة على الأداء الحكومي إلى أن نسبة إنجاز النفقات الرأسمالية في موازنات الدولة لا تتجاوز 65 في المئة في أفضل حالتها، وتذهب باقي الأموال المرصودة إلى بنود أخرى أهمها العجز، أو ترحل للأعوام المقبلة.
حتى مصفاة البترول لم تسلم من سلبيات تلك المؤشرات، إذ تشير بعض المصادر إلى أن المواطن يتحمل أسعارا مرتفعة للمحروقات بشكل أعلى من نظيرتها في دول الجوار نتيجة سوء كفاءة مصفاة البترول الأردنية، وأن المواطن يدفع سعرا يزيد عن السعر الحقيقي بنحو 30 في المئة على أقل تقدير.
هذه بعض المؤشرات المالية في قطاعات تتطلب إصلاحا عميقا قبل الشروع في إعداد مشاريع قوانين لها، فإصلاح الاختلالات التي تعاني منها تلك القطاعات يعني ببساطة استغناء الحكومة عن رفع أسعار الكهرباء والمحروقات والضرائب وما إلى ذلك من مؤشرات ما تزال الحكومة تحوم حولها في العلاج منذ عقود دون فائدة.
حتى تُقنع الحكومة الفعاليات المختلفة بجهود الاصلاح التي تنفذها، وأن تكون هي ذاتها مقتنعة بما تقوم به، عليها أولا أن ترمم بيتها الداخلي، وتلجأ إلى إصلاح الاختلالات التي تشوب الكثير من إجراءاتها وسياساتها التي لم يستفد منها المواطن كثيرا، لا بل دفعت جيوبه تداعيات فشل تلك السياسات المتعاقبة.
كيف للحكومة أن تواصل رفع أسعار الكهرباء ولديها “كهرباء مسروقة معترف بها” بقيمة 300 مليون دينار، هذا أمر غريب جدا، لأن كل عمليات الرفع الأخيرة للكهرباء لن تأتي للخزينة سوى بـ120 مليون دينار، أليس الأولى أن تعالج الحكومة الأسباب التي تؤدي إلى سرقة الكهرباء، وتعمل على تحصيل أثمانها المفقودة بدلا من أن يتحملها المواطن الملتزم، والأمر كذلك بالنسبة للمياه والمشاريع المختلفة والمحروقات وغيرها من القطاعات التي يتحمل المواطن كثمن للترهل الحكومي وفقدان الهيبة.
فتلبدأ الحكومة بمعالجات حقيقية لتلك الاختلالات، ومن ثم السير بباقي عملية الاصلاح الاقتصادي الحقيقي المنشود، حينها لن يعتب أي مواطن من أي سياسة اقتصادية حتى لو مست جيبه، لأنه سيكون متيقنا من أن العدالة تسير على الجميع.

