تقرير ديوان المحاسبة ليس للاطلاع
لا أعتقد أنه يوجد في الدولة تقرير رقابي دقيق ويكشف كل اختلالات الإدارة الرسمية والهدر في المال العام مثل ما يفعل تقرير ديوان المحاسبة، فهو يبث مباشرة كل خطأ يحدث في الدولة، ولم يسبق أن سجل أنه تغافل عن حدث مخالف للقانون.
تقارير ديوان المحاسبة تكشف عيوب الادارة العامة في التعاطي مع القوانين والانظمة الرسمية، وتشير بشكل واضح إلى مواطن الضعف في القطاع العام وسبل معالجة أخطائه، وفي النهاية يضع بين يدي راسمي السياسة العامة واصحاب الولاية من حكومة ونواب خارطة علاجية لكافة الاختلالات التي تسبب هدرا في المال العام وتؤدي إلى ضعف الانتاجية.
للأسف ما يزال تعاطي الدولة بأجهزتها المختلفة مع تقارير ديوان المحاسبة مقتصرا على الاطلاع والتشهير الاعلامي، فجلسات النواب في مناقشة التقارير تمتد لاسابيع، وحينها تمتلئ وسائل الاعلام المختلفة بعناوين التجاوزات المالية والادارية من دون التطرق حقيقة إلى الاجراءات الواجب اتباعها بعد صدور التقارير.
حتى الحكومة، الأكثر ارتباطا بمخرجات تقارير ديوان المحاسبة الذي يرصد ويكشف كل عيوب الادارة والسياسات المختلفة ويظهر مواطن الازمة الادارية في الوزارات والمؤسسات الرسمية، تتعامل مع التقرير وكأنه يتحدث عن اختلالات رسمية في دولة بالجوار، فلا نسمع بعد صدور التقرير أي خطة لمتابعة الاجراءات الاستكمالية لمعالجة الاخطاء التي رصدها، وهذا مثبت بالدليل القاطع، فغالبية المخالفات الإدارية والمالية تتكرر في كل تقرير، وبعضها مضى على مخالفته أكثر من 20 عاما، والحال على ما هي عليه.
أمر معيب ان يكون لدينا في الاردن تقرير بهذه النوعية الكبيرة التي تدقق في اعمال الدولة، ويدعم اي جهود حقيقية للاصلاح، لا بل هو من يضع خارطة الاصلاح الاداري والمالي قبل الاصلاح السياسي المنشود، فاذا صلح القرار الرسمي وصلح سلوك الموظف العام، صلحت بقية العقبات الادارية في الدولة، وهذا امر لا يتعزز الا بالرقابة وتفعيلها بالشكل الذي خرج به تقرير ديوان المحاسبة.
أمر مؤسف في كيفية تعاطي الاجهزة الرسمية مع احد ابرز التقارير الرقابية، إن لم يكن أبرزها في الوقت الراهن، فهو لا يخرج كونه مادة للاطلاع من جانب والتشهير من جانب آخر، وفي اعتقادي اذا كانت المؤسسات الرسمية لا تريد التعاطي معه بشكل اكثر تفاعلية وعقلانية، فأقترح إغلاق ديوان المحاسبة والكف عن التغني بالإصلاح.

