لماذا لم يكتسب الاستحواذ شعبية أكبر في الشرق الأوسط؟
تعتبر عمليات الاستحواذ المدعوم بالاقتراض عمليات استحواذ مموَلَة بمعدل مرتفع من الاقتراض، يستخدم خلالها المُستَحوِذ نسبة عالية من المديونية نسبة لرأس المال لتسديد ثمن الهدف قد تصل إلى ما يتراوح بين 80% و90%، يستعرض كل من باربارا بيتيت، تحمل شهادة الدكتوراه، وهي عضو في جمعية المحللين الماليين المعتمدين، وتشغل منصب مدير المشاريع المبرمَجَة لشؤون أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في معهد المحللين الماليين المعتمدين والسيدة لميس البحارنة، رئيس جمعية المحللين الماليين المعتمدين في البحرين أسباب شعبية عمليات الاستحواذ المدعوم بالاقتراض حالياً في معظم أنحاء العالم باستثناء الشرق الأوسط، وهل تعتبر عمليات الاستحواذ المدعوم فكرة جيدة أم فكرة سيئة؟ً.
* ما هي عمليات الاستحواذ المدعوم بالاقتراض؟
كثيراً ما تتم عمليات الاستحواذ المدعوم بالاقتراض حين تتم خصخة شركة عامة، وعادة ما تكون الجهة المُستَحوِذَة شركة متخصصة في عمليات الاستحواذ تعرض شراء الأسهم العادية للشركة المستهدفة من حملتها في حينه، ويتم تمويل عملية الاستحواذ باستخدام الأموال التي أسهم بها المستثمرون في الشركة المستهدفة-حقوق الملكية- (وتكون بذلك حصة التمويل بحقوق المساهمين فيها)، ولكن نظراً لكون الأموال المتاحة في هذه الشريحة لا تشكل سوى جزء بسيط من ثمن الشركة المستهدَفَة، تلجأ الشركة المُستَحوِذَة إلى البنوك و/ أو أسواق المال لاقتراض ما ينقصها من تمويل للاستحواذ على الشركة المستهدفة (وتشكل بذلك حصة التمويل بالمبالغ المُقتَرَضَة لسداد باقي ثمنها)، وقد يتخذ التمويل المعني شكل قروض أو سندات بما فيها السندات ذات العائد المرتفع.
وحيثما كان ذلك ممكناً، تتحالف الشركة المستحوِذة مع الإدارة للاستحواذ على الشركة المستهدَفَة، ورغم أن مديري الشركة المستهدَفَة قد يوفرون بعض التمويل إلا أن مساهمتهم الرئيسية تتمثل في مواصلتهم إدارة وتشغيل تلك الشركة، حيث يتم تسخير التدفقات النقدية للشركة المستهدَفَة في سداد فوائد وأصول القروض التي استخدمت في تمويل عمليه الاستحواذ على الشركة، لذا فإنه من المهم جدا أن تحقق تلك الشركة أداء جيدا، وأن تعتمد على فريق إداري يتمتع بسجل أداء مميز، كمفتاح لنجاح العملية.
* لماذا لم تكتسب عمليات الاستحواذ المدعوم بالاقتراض شعبية أكبر في الشرق الأوسط؟
رغم وجود عدد من شركات الأسهم الخاصة غير المتداولة في الأسواق في الشرق الأوسط، لا تلقَى شركات الاستحواذ المدعوم بالاقتراض شعبية في هذه المنطقة، ولم يكن للمستثمرين الإقليميين تاريخياً شهية على اقتراض المبالغ الطائلة اللازمة لعمليات الاستحواذ المدعومة بالاقتراض، وقد تخضع صناديق الاستثمار المتوافقة مع الشريعة الإسلامية والتي شهدت نمواً سريعاً في شعبيتها، لقواعد صارمة تحول دون اقتراضها لمثل ذلك الحجم الكبير من الأموال، وعلى صعيد العرض، قد يتردد الكثير من الشركات العائلية في الشرق الأوسط في بيع أسهمها لمستثمرين يهيمنون بقوة على الشركة ويقومون بإعادة هيكلة عملياتها بغية تحقيق عائدات مرتفعة تمكنهم من سداد القروض التي موَلوا من خلالها الاستحواذ على تلك الشركات.
* لماذا ارتفع عدد شركات الاستحواذ المدعوم بالاقتراض في سائر مناطق العالم مؤخراً؟
تأتي عمليات الاستحواذ المدعوم في شكل موجات متعاقبة، وتركزت الموجة الأولى بشكل رئيسي في الولايات المتحدة الأمريكية خلال ثمانينيات القرن العشرين وبلغت ذروتها في صفقة الاستحواذ القسرية الخاصة بشراء شركة آر جي آر نابيسكو والتي تمت لقاء مبلغ 25 مليار دولار أمريكي، وانتشرت الموجة الثانية التي حدثت بين عامي 2003 و2007 عالمياً، وناهزت قيمة عمليات الاستحواذ المدعوم بالاقتراض400 مليار دولار أمريكي عام 2007، لكن زخمها انهار حين عصفت الأزمة المالية بالأسواق العالمية، على الرغم من الانتعاش السريع الذي شهدته عمليات الاستحواذ المدعوم منذ عام 2010، ظلت القيمة السنوية لتلك العمليات تراوح عند 100 مليار دولار أمريكي منذ ذلك الحين، إلا أن بعض لاعبي السوق يرون رغم ذلك أن الإعلان مؤخراً عن صفقتي الاستحواذ على شركتي هاينز وديل، يشكل بداية محتملة لموجة استحواذ عالمية جديدة.
* ما هي محفِزات عمليات الاستحواذ المدعوم بالاقتراض؟
على غرار جميع عمليات الاستحواذ، ترتبط عمليات الاستحواذ المدعوم بالدورات الاقتصادية ويرتفع عددها عادة خلال دورات النمو الاقتصادي، وتبدو آفاق تلك العمليات الآن أكثر إشراقاً مما كانت عليه قبل خمس سنوات، وحيث إن تمويل عمليات الاستحواذ المدعوم يعتمد بشدة على الاقتراض، ترتبط أنشطة الاستحواذ المدعوم بشكل وثيق بالدورات الائتمانية، وتعتبر كُلفة الاقتراض منخفضة حالياً نظراً لتدني أسعار الفائدة وهامش الائتمان.
إضافة إلى ذلك، استعاد المستثمرون شهيتهم للاقتراض، الأمر الذي سهَل على الشركات التي تمارس عمليات الاستحواذ المدعوم بالاقتراض رفع المديونية، إما عبر القروض وإما عبر السندات مرتفعة العائدات، كما تمتلك العديد من شركات الاستحواذ المدعوم احتياطيات في شكل رأسمال غير مستخدم يحتاج إلى توظيف، وتوضح جميع هذه العوامل أسباب الطفرة التي حدثت مؤخراً في عمليات الاستحواذ الأكبر حجماً ودعماً، وفي حالة تعثر الانتعاش الاقتصادي أو ارتفاع أسعار الفائدة، قد تتراجع عمليات الاستحواذ المدعوم مجدداً.
* هل تعتبر عمليات الاستحواذ المدعوم بالاقتراض جيدة أم سيئة؟
تتمتع عمليات الاستحواذ المدعوم بسمعة سيئة على الأرجح، وتمت تسمية شركات الاستحواذ المدعوم مراراً وتكراراً بأنها شركات تسلب الأصول أو بـ الجراد، ويطالب بعض النشطاء والسياسيين والصحفيين بتعزيز القوانين المنظمة لعمليات الاستحواذ المدعوم بالاقتراض، ومضت قلة منهم إلى أبعد من ذلك حيث طالبت بحظر تلك العمليات جملة وتفصيلاً.
وأظهرت الدراسات أن الأداء التشغيلي للشركات المستحوذ عليها يتحسن عادة، حيث ترتفع إنتاجيتها وأرباحها وتدفقاتها النقدية، وترى دراسات أخرى أن ذلك التحسن في الأداء إنما هو مؤقت وكثيراً ما ينتكس على المدى البعيد، وخاصة حين تتخارج شركة الاستحواذ المدعوم بالاقتراض من الشركات المعنية، سواء عبر طرح أسهمها للاكتتاب العام من خلال إصدارات أسهم أولية أو بيعها لاطراف ثوالث، بالإضافة إلى ذلك، تتفاوت الأدلة الخاصة بتأثير عمليات الاستحواذ المدعوم على العمالة والأجور ومعنويات العاملين.
ولا يتمثل السؤال في مدى قدرة عمليات الاستحواذ المدعوم بالاقتراض على توليد قيمة مضافة (يؤكد كثيرون أنها تفعل ذلك رغم أنهم قد يختلفون حول السبب)، بقدر ما يتمثل في معرفة من هم الذين يستفيدون منها بشكل أكبر، وربما كانت شركات الاستحواذ المدعوم بالاقتراض والمديرين المشاركين في الصفقات يستفيدون منها أكثر بكثير من استفادة غيرهم من أصحاب المصلحة كالعاملين أو الموردين أو حتى المستثمرين في صناديق الاستثمار في عمليات الاستحواذ المدعوم، ودخل عنصر قابلية قروض عمليات الاستحواذ المدعوم بالاقتراض لتخفيض الضرائب المفروضة عليها دائرة الجدل الدائر حول هذا الموضوع مؤخراً، باعتباره حافزاً كبيراً من حوافز القيام بعمليات استحواذ مدعومة بشكل كبير.
* هل تفشل عمليات الاستحواذ المدعوم بالاقتراض؟
نعم، إذ إن بعضها يفشل، فقد شهدت حقبة أواخر ثمانينيات القرن العشرين حالات إفلاس كبرى وانهيار لسوق السندات مرتفعة العائدات، واضطرت بعض الشركات التي تمت خصخصتها عبر عمليات استحواذ مدعوم بالاقتراض خلال السنوات التي سبقت حدوث الأزمة المالية العالمية، إما لإشهار إفلاسها أو الخضوع لعمليات إعادة هيكلة، ورغم أن نتائج إعادة الهيكلة تكون في العادة أفضل من إشهار الإفلاس، فإن لكليهما آثاراً سلبية ليس على المستثمرين فحسب ولكن أيضاً على العاملين في الشركات المعنية والعملاء وموردين، وبصورة عامة، يمكننا القول إن المجتمع يكون في حالة أفضل حين تنجح مثل هذه الصفقات.

