هل تتعظ الحكومة من فشل ‘المشغل الرابع’؟
لم يسبق للحكومة أن أصرت على موقفها بشكل خالف المنطق؛ كما حصل في قضية طرح عطاء المشغل الرابع، والذي فشلت فيه للمرة الثانية على التوالي في استدراج عروض جديدة لدخول مستثمر جديد في قطاع الاتصالات بالمملكة، والذي يعاني من حالة تشبع قد تكون من أعلى النسب في المنطقة.
الحكومة عاندت كل الدراسات والنصائح التي قدمتها كل دور الخبرة والاستشارات، وأصرت على طرح العطاء من أجل استقطاب استثمار جديد بقيمة 200 مليون دينار على أقل تقدير.
النصائح جميعها دعت الحكومة للتروي في هذا الامر، فالسوق الاردني مشبع بخدمات الاتصالات، فهناك اكثر من 8.8 مليون مشترك، بنسبة انتشار تفوق الـ138 بالمئة، وأي دخول لمشغل جديد يعني ببساطة انه سينافس الشركات الثلاث العاملة على الارباح والخدمات بشكل سلبي، لان المنافسة في الاردن هي الأخرى وصلت الى درجات خطيرة تفرض على الحكومة في بعض الاحيان التدخل لوقف حرب الاسعار، فكيف الحال اذا دخل مشغل جديد؟.
عقلية الجباية المالية التي تسيطر على الفكر الاقتصادي للحكومة ساهم فعلا بإلحاق الضرر بسمعة قطاع الاتصالات الذي كان يدر ذهبا على الحكومة، فكل دينار يجنيه القطاع بعود منه للخزينة بواقع النصف تقريبا، فبدلا من ان تفكر الحكومة بالمحافظة على هذه النسبة الكبيرة التي لا توجد الا في الاردن، من خلال اقتطاعات ضريبة الدخل 25 بالمائة، وضريبة المبيعات 16 بالمائة، والمشاركة بالعوائد الاجمالية 10 بالمائة، تتخذ الحكومة اجراءات تضر بايراداتها وبتنافسية القطاع الذي يورد سنويا للخزينة 320 مليون دينار على أقل تقدير.
الغاء عطاء المشغل الرابع لم يكن صدفة، فقد حاولت الحكومة قبل ثلاث اعوام في نفس العطاء وفشلت، ولم تتعلم الحكومة الحالية من هذا الفشل شيئا، واصرت على طرحه من جديد، وكان الفشل من نصيبها، الضرر الذي ألحقته الحكومة بسمعة قطاع تكنولوجيا المعلومات كان كبيرا وفادحا، فقد أضرت بعلاقتها التشاورية والتشاركية مع العاملين في القطاع، وبدا عليها أن الجباية تسيطر على سلوكها في التعامل مع الشركات دون النظر الى تنافسيتهم وتراجع أدائهم وأرباحهم التي تعود نصفها للخزينة، لا بل أعطت صورة سلبية عن أن قطاع الاتصالات في المملكة غير واعد، بدليل انه لم يتقدم سوى سوى مستثمر واحد للعطاء وبسعر اقل مما كانت تفكر به الحكومة.
ليس عيبا ان تراجع الحكومة قراراتها وتداعيات السياسات المختلفة على مصلحة الاقتصاد الوطني، وان تبتعد عن النظر الانية في التعامل مع القطاعات الاقتصادية، فالمطلوب في هذه المرحلة الحساسة ان تحافظ الحكومة بكل ما اوتيت من قوة على تنافسية القطاعات الحيوية، وتزيل العقبات والاختلالات التي تحول دون تنمية انشطتها وتوسيع اعمالها، بدلا من التفكير في جلب اموال لتمويل نفقات اخر الشهر، دون النظر الى ما بعد تلك القرارات وآثارها المدمرة على الاقتصاد الوطني.
[email protected]
[email protected]

