7 مليارات دينار تنتظر المصانع
بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر
لم يعد السؤال الاقتصادي في الأردن: هل توجد سيولة في الجهاز المصرفي؟ الأرقام تجيب بوضوح. ففي 20 تشرين الأول سجّل مؤشر السيولة بالدينار 7.13 مليار دينار، بينما استقر سعر الإقراض بين البنوك عند 5.85%، ومتوسط الفائدة الليلية عند 5.666%. المال موجود، والاستقرار النقدي قائم؛ لكن السؤال الذي يستحق أن يقود النقاش هو: كم من هذه السيولة يجد طريقه إلى مصنع، أو عقد تصدير، أو منشأة صغيرة قادرة على التوسع؟
هذه ليست دعوة إلى إغراق السوق بالائتمان أو إلى خفض شعبوي للفائدة. فالمصرف المركزي أبقى سعره الرئيسي عند 6%، في اقتصاد يحتاج إلى حماية الدينار وتوقعات الأسعار في منطقة ما زالت عرضة لصدمات الطاقة والغذاء والتوترات الإقليمية. ومع تضخم بلغ 2.26% خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، واحتياطيات أجنبية تقارب 28.47 مليار دولار في نهاية أيلول، ونمو حقيقي بلغ 2.94% في النصف الأول، فإن المحافظة على الاستقرار ليست ترفاً؛ إنها قاعدة الاستثمار وحماية القوة الشرائية.
لكن الاستقرار لا ينبغي أن يتحول إلى محطة أخيرة. فهو يجب أن يكون نقطة انطلاق لسؤال أكبر: لماذا تبقى منشآت كثيرة قادرة على الإنتاج والتصدير أمام كلفة تمويل مرتفعة أو آجال سداد لا تشبه دورة أعمالها؟ ولماذا تستطيع السيولة أن تتحرك بسهولة في الدائرة المالية، بينما تتباطأ حين تصل إلى شركة تحتاج رأس مال عامل لشراء المواد الخام أو لتنفيذ طلبية تصدير؟
المشكلة ليست في سعر السياسة النقدية وحده، بل في قناة عبوره إلى الاقتصاد الحقيقي. بين سعر البنك المركزي وسعر القرض النهائي تقف علاوة المخاطر، وشروط الضمانات، وقصر فترة التمويل، وتأخر التحصيل، وضعف القدرة على تحويل العقود والفواتير والتدفقات النقدية إلى ضمانات مصرفية قابلة للقياس. لذلك قد تكون الأموال وفيرة في النظام، لكنها نادرة لدى المنتج الذي يحتاجها في الوقت المناسب.
الأردن لا يحتاج ائتماناً رخيصاً للجميع؛ فهذا يخلق مديونية ضعيفة ويبدد الموارد. ما يحتاجه هو ائتمان أذكى، يميّز بين قرض يمول الاستهلاك وقرض يخلق إنتاجاً أو صادرات أو وفراً في الطاقة. ويبدأ ذلك من أربعة تحولات عملية.
أولاً، أن يصبح تقييم المنشأة مبنياً بدرجة أكبر على تدفقاتها النقدية وعقودها وفواتيرها المنتظمة، لا على الرهن العقاري وحده. ثانياً، تصميم تمويل برأس مال عامل وآجال تتوافق مع دورة الإنتاج والتحصيل، خصوصاً للصناعة والزراعة والسياحة والخدمات القابلة للتصدير. ثالثاً، توسيع أدوات الضمان الجزئي وتقاسم المخاطر حتى لا يتحول غياب الضمان إلى حكم مبكر على مشروع جيد. رابعاً، إدارة الاقتراض الحكومي واستحقاقاته بكفاءة حتى لا تنافس احتياجات الخزينة الائتمان المنتج في التوقيت نفسه.
والأهم هو قياس النتيجة لا الاكتفاء بقياس حجم القروض. فالمؤشر الأجدى ليس كم بلغ الائتمان، بل كم مشروعاً توسع؟ كم عقد تصدير نُفذ؟ كم وظيفة مستقرة خُلقَت؟ وكم انخفضت كلفة التمويل على منشأة ثبتت قدرتها على السداد؟ هنا فقط نعرف إن كانت السيولة تعمل للاقتصاد أم تدور داخل القطاع المالي وحده.
لقد نجح الأردن في بناء رصيد نقدي يحميه في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد. والتحدي التالي ليس التفريط بهذا الرصيد، بل تشغيله بدقة. فـ7 مليارات دينار لا ينبغي أن تكون رقماً مريحاً في لوحة المؤشرات فحسب؛ يجب أن تصبح جسراً محسوب المخاطر بين البنك والمصنع، وبين الاستقرار والنمو.



التعليقات مغلقة.