كلهم سلفيون!
مرة أخرى تفشل النخب الأردنية في إدارة حوار جاد ومسؤول حول التحديات التي تواجه البلاد. ماتزال الذهنية الاتهامية والإقصائية هى المسيطرة علينا، وكأننا في سنوات الخمسينيات والستينيات. الخطاب ذاته؛ خطاب التخوين للآخر. في الشارع وتحت قبة البرلمان وفي وسائل الاعلام لا نسمع غير الصراخ والشتائم.
بيانات المعارضة وخطب الموالاة، من نفس العلبة والطينة؛ تجريح وتخوين، ومناكفة، ناهيك عن اللغة الخشبية في مقاربة تحديات المرحلة الحالية. حراكيون في إحدى المحافظات هاجموا بشدة الجمعة الماضية إتفاقية سايكس بيكو، وكأنها وقعت بالأمس! برلماني عريق تحمس وسط موجة الخطاب التصعيدي، فتبنى دعوة قطع يد السارق؛ تخيلوا المشهد بعد سنوات على تطبيق العقوبة.
الخوف على الهوية تحول لدى بعضنا إلى حالة هستيرية ومرضية. حُمّى الهوية إذا جاز التعبير، كلما اشتدت يهذي أصحابها بكلام غير مفهوم.
الثقة تكاد تنعدم؛ النخب لا تثق بالدولة، والمعارضة لاتثق بالمسؤولين، والنواب لايثقون بالحكومة، وأحيانا الوزراء لا يثقون بالحكومة! وهكذا نأكل بلحم بعضنا بعضا، في وقت نحن فيه بأمسّ الحاجة إلى التوحد في مواجهة الأخطار المحدقة بنا من كل صوب.
الطريقة التي تدير فيها الحكومة شؤون البلاد لا تساعد أبدا على تجاوز الحالة. سلوكها ينطوي على قدر من الاستعلاء على شركائها في المسؤولية الوطنية. القرارات التي يمكن أن تمرّ بشكل اعتيادي، تخرجها على نحو يثير الشك والريبة.
البرلمان منقسم على نفسه، والنواب في حالة توتر دائم؛ لم أشاهد نائبا ينهي مداخلة تحت القبة دون أن يعلو صوته بالصراخ. الأعيان في أغلب الحالات يتفرجون؛ صاروا أقل حيوية من قبل، وأكثر مسايرة للحكومة.
أحزاب وتيارات المعارضة في حالة يرثى لها؛ خطاب تقليدي بائس، يستعيد لغة الماضي، ويحتفي بها. لا أفكار جديدة على الإطلاق، ولا مبادرات تعيد توجيه الدفة.
الناس العاديون ليسوا بأفضل حالة؛ تعليقاتهم وردودهم حانقة ومتوترة، ومشككة. ما أسهل أن يخونك أحدهم لمجرد أنك تخالف التيار العام. وسائل الإعلام لا تساعد أبدا في تخفيف حدة التوتر، فقد تحول بعضها إلى ساحة لتصفية الحسابات بين السياسيين، وبعضها الآخر تخندق في معسكر على حساب المهنية والموضوعية. وإعلام الدولة كما هو؛ ضائع وحائر.
لأشهر مضت كانت عناوين الخلاف لدينا خارجية؛ إنقسام حاد حول الأوضاع في سورية، واستقطاب حيال التطورات في مصر. مؤخرا تقدمت الخلافات حول القضايا الداخلية على الهموم الخارجية. وبمعنى آخر تحولت القضايا الخارجية إلى هموم داخلية. اشتداد الأزمة السورية وطول أمدها ساهم في تعميق التباينات الداخلية. ولاحقا دخلت على الخط خطة كيري للسلام في المنطقة لتبعث الهواجس المدفونة من جديد.
أخطر ما في حالتنا الروح العدائية التي تطلّ برأسها وسط المشهد العام.لا نكتفي برفض وجهة النظر الأخرى، بل نبدي الاستعداد لشيطنة أصحابها وتجريمهم. ماذا يتبقى بعد ذلك غير تصفيتهم؟
الدولة لا تدرك حجم التحولات العميقة والخطيرة التي تحصل للمجتمع، بنخبه وعامته. التطرف لم يعد عنوانا لتيار سياسي سلفي بعينه، صار نهجا عاما. نخبنا؛ موالاة ومعارضة أصبحوا سلفيين في موقفهم من قيم الديمقراطية والحرية.
الغد

