مؤنس الرزاز في رحيله: عمّان تائهة
اثنان وثلاثون عاماً مرّت منذ عودة الراحل مؤنس الرزاز إلى عمّان – التي دلّلته على حد وصفه- هارباً من عاصمتيّ الرفاق (دمشق وبغداد)، لكنه لم يحتمل تدليلها له كما لم تطق ابتزازه الدائم لها، فرحل عنها في اللحظة التي تحتفل عمّان بنفسها عاصمة للثقافة العربية العام 2002.
فرّ مؤنس من “جحيم” الشعارات الكبرى، باحثاً عن ملاذٍ ومستقرٍ له في عمّان وكتابة الرواية، وفي رحلة هروبه الدائم كان يبحث عن تصالح مع نفسه وتاريخها، ومع المدينة وناسها، ليجد أنه لم يتفلت من دمشق وبغداد وعجز عربي مزمن، ونافراً في الوقت نفسه من تشوهات عمّان بفعل غزو حداثة زائفة وافدة من الخليج تحديداً.
في ملاذه الهش (عمّان)؛ عاش مؤنس انفصاماته وتحولاته التي تتماهى مع اضطرابات عمّان في اتصالها مع الجغرافيا المحيطة وابتداعها عزلة باردة موحشة تحفّز مبدعيها – القادمون من أمكنة بعيدة عنهم وغير متحققة- على التذكر والكتابة، فجاءت حقبته العمّانية زاخرة بنقد قاسٍ ولاذع للقبيلة التي تأبى التمدن في جميع بلداننا العربية، والتحديث الذي يفتقر للحداثة، والبشر الذين يخفون عجزهم بإدعاءات الفحولة، وللأمكنة التي تتقاعد غير قادرة –رغم قِدمها- أن تنافس ناطحة سحاب لم يغادر ساكنيها خيمتهم بعد!
عمّان تُدمن متاهتها بعد 12 عاماً من رحيل مؤنس يربطها حبل سريّ بدمشق وبغداد اللتين لا تزالان محاصرتان – مثل بقية الحواضر العربية- بعقلية القبيلة واستبدادها وطمع الغزاة وهمجيتهم، وعمّان ليست إلاّ شقيقتهما التي تنأى عنهما غير مفلتة من شعارات شقيقتيها وهجرات أبنائهما إليها ومصيرهما الذي هو – من دون أدنى شك- يشكل مصيرها. وعمّان التي تتوكأ على مآسي شامها وعراقها لم تنفك، أيضاً، من استلابها لجوار آخر يصدّر تطرفاً وتخلفاً لا تخفيهما مزاعم العصرنة ومظاهر الاستهلاك.
مؤنس أمسك بعمّانه في لحظة سابقة، لم نغادرها حتى اليوم، ولم يكن يبحث عن الكتابة أو عن الروائي فيه، إنما كان يبحث عن تسوية مع الواقع الذي لم يعشه حياة، واختبره باضطرابات/ صراعات في دواخله، مقلباً تأملاته وصفناته بين صورة الأب/ المثال، وصورة الرفاق/ سارقي الحلم، من جهة، وبين عرار الصعلوك وتيسير سبول المنتحر، من جهة أخرى، لكنه لم يُخلص لصلعتكه حد الخلاص من سطوة الواقع المتداعي ذاكرة وخلاصات معرفية/ فلسفية صادمة، ولم يمتلك جرأة الانتحار بل كانت محاولات تعكس ابتزازه لمدينته وناسها.
لم يستعد مؤنس روح الشاعر مصطفى وهبي التل، لأسباب شخصية وموضوعية، فهو مجرد هارب لا صعلوك، كما أن علاقته بالمكان والسلطة تختلفان عما كانت عليه لدى عرار، فابن الرزاز أراد صعلكة مأمونة، وقرباً من السلطة ينجيه مغبة انقلابها عليه ذات يوم، ولم يذهب خلف تيسير رغم توعداته الدائمة بفعل ذلك بل وأبعد معظم أبطاله عن الانتحار، وفضّل لهم الجنون او الكآبة أو العزلة، لأنه أراد أن يكون شاهداً لا شهيداً، وشخصاً عادياً – يحظى بمكانة استثنائية بشكل ما- لا بطلاً يسدد أثمان حياة لا ذنب له فيها.
وبالطبع، فإن مؤنس الشاهد لم يستهوه المنفى ثمناً لرفضه كما فعل غالب هلسا الذي ظنّ أن مصر أو حتى بغداد وبيروت ودمشق قد تنسيه عمّان.
لسبب أو آخر، أصرّ مؤنس على المراوغة، مقنعاً كثيرين أنه اختار عمّان واختار كتابة الرواية، ولعله فطِن إلى محبة الناس ففضّل أن يكسبها، لكنه فضّل أن يصف ذلك بعبارات دقيقة في نصه “عمّان تدللني”، فانتقى مفردات: الوفاء، وتعاملني معاملة خاصة استثنائية، وتحتضنني كملاذ، وكأنها تداوي جراحي وتمسح عليها…، وما هو أهم منذ لك كله أنه كان يعي أنه يقطن جغرافياً غير مأهولة إلاّ بنصوص روائية معدودة، وتنتظره ليكون روائيها الأبرز.
وأصر مؤنس على الرواية حاجباً عنّا شهادته، التي بثها مبتورة ومجزوءة ومنقوصة في أعماله، لأنها تتضاد وتتعارض مع كتابة الرواية التي فرضت على مؤنس، ولذلك ظلت مقولاته/ تشظياته/ اعترافاته في الكتابة وحولها في الصحافة أوضح منها في الكتابة الروائية.
لم يكن مؤنس روائياً بل كان شاهداً يعترف على عصره وتحولاته وحالاته، وكانت الرواية أداة يضطر إليها ليُضمّن شهادته – التي لو لم يكتبها لانتحر أو عاش هائماً على وجهه- لكن الرواية أجبرته على تقمص أدوار وارتداء أقنعة حالت دون اكتمال الشهادة/ الاعتراف.
بين يدينا “الاعترافات الجوانية” لمؤنس، آملاً نشرها كاملة في كّتاب، في أقرب وقت ممكن، لتكشف لنا جوانب أساسية ومن حياة مؤنس، ونموذجاً استثنائياً في الكتابة انشغل عنه كاتبنا بإجراء تسويات “صغيرة” مع عمّان يؤمن من خلالها المكان والمكانة، ومع تاريخ العائلة الذي لم يطو حتى اللحظة.
أُبْعد أشباح عمّان وشقيقاتها ومؤنس ورواياته عنّي، وأبحث عن الشاهد وشهادته في زمن الخسارات والفقد والضحايا والشهداء.

