دروس التجربة التونسية في الربيع العربي
بعد مُضيّ ثلاث سنوات على ثورتها التي أطلقت شرارة الربيع العربي، وبعد تقلبات سياسية وأمنية كادت تطيح إنجازاتها وتوردها موارد شقيقتيها مصر وليبيا،
نجحت تونس في إعلان ولادة جمهوريتها الثانية بسلام، بعد أن جرى تصديق الدستور الجديد في جلسة متأخرة عقدها المجلس التأسيسي يوم 26 كانون الثاني 2014.
المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات وصف هذه التجربة في التاريخ السياسي العربي بـ “الدرس التونسي”، رغم ان طريق الوصول إلى الدستور التونسي الجديد كان شاقَّة وطويلة.
في تقدير الموقف الذي أصدره المركز أخيرا علّق المركز على “التجربة التونسية” بالقول: تُعدُّ تجربةً فريدةً يمكن أن يستخلص منها دروسًا في عالمٍ عربيٍّ وعلى رأسها الحوارُ والتوافقُ مُجتمعيْن– بدلًا من الغلبة والإقصاء.
أما الدرس الثاني بالنسبة إلى التقدير فهو انه كان لقوى المجتمع المدني دور بارز في إنجاح التجربة، وعلى وجه الخصوص ذلك الدور المتميِّز الذي اضطلع به الاتحاد العامّ التونسي للشغل في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين، وتغليب لغة الحوار والاحتكام إلى الحلول السياسية الوُسطى.
وإضافة إلى ذلك يقول المركز ان الطرح التوافقي للتيَّار الإسلامي، المتمثّل بحزب النهضة وزعيمها راشد الغنوشي، أدى إلى تمكين هذا الإنجاز.
وقال: جاء هذا الطرح نتيجةً للقراءة الموضوعية الواعية للتنوع الاجتماعي والفكري للمجتمع التونسي، وعليه جرى الاحتكام إلى حلول سياسية، في أُطُر توافقية، مع أكبر عدد ممكن من الأطراف السياسية والمجتمعية، بدلًا من الاستسلام لشعور عابر بالغلبة، واستمراء السلطة، والاندفاع نحو سياسة الإقصاء والتهميش التي كانت سببًا من أسباب فشل الإخوان المسلمين في مصر وانتصار الثورة المضادة.
ولاحظ تقدير المركز ان رفض الجيش التونسي الانحياز إلى أيِّ طرفٍ من أطراف الأزمة دورٌ مهمٌ في إنقاذ التجربة الدستورية التونسية.
وقال: هو سلوك مستمرٌّ منذ الاستقلال، بخلاف ما جرى في الجمهوريات العربية الأخرى التي لم يكن الجيش في حياتها السياسية طرفًا مهيمنًا فحسب، بل مدمِّرًا أيضًا. وخلال الأزمة السياسية الأخيرة حاولت بعض التيَّارات السياسية التونسية استنفار الجيش؛ أملًا في تكرار التجربة المصرية بالانقلاب على العملية السياسية، وإسقاط المجلس التأسيسي، لكنها فشلت. في السياق نفسه، يبدو أنّ النتائج المدمرة التي تمخَّضت عن تعطيل العملية الديمقراطية في مصر بسبب الانقلاب العسكري أدَّت وظيفةً مهمَّةً في إفشال سيناريو الثورة المضادة في تونس.
لكن لم يخف على المركز الدور الهامشي الذي أدّاه العامل الإقليمي والدولي، وعدم تدخّله تدخُّلًا سافرًا في المعادلة السياسية الداخلية التونسية. وقال كان لذلك أكبر الأثر في إنجاح الحوار الوطني وبدْء عهْد الجمهورية الثانية، إضافةً إلى ذلك، يبدو أنّ تحوُّل الكبرياء، المتمثِّل بأنّ تونس هي بلد الثورة الديمقراطية الأول، إلى جزء من الوطنية التونسية، شكَّل ضمانًا لِلَجْم القوى المتطرفة من الإسلاميين والعلمانيين على حدّ سواء. ولكن يبقى الضمان في تحوُّل ذلك الدستور الديمقراطي إلى مكوّن في الهوية الوطنية، شأنَ الاستقلال نفسِه.
ويعترف التقدير انه من المتعذّر تكرار التجربة التونسية حرفيًّا في دول الربيع العربي الأخرى؛ نظرًا إلى اختلاف الأوضاع السياسية والاجتماعية والتاريخية لكلّ بلد، علاوةً على اختلاف الواقع الجيوبولتيكي.
لكنه قال رَّغم خصوصية التجربة، يجب على الساعين إلى التحول الديمقراطي في الوطن العربي تعلُّم الكثير من هذا المسار الذي جرى في دولة عربية، تشترك مع البلدان العربية في كثير من الأوضاع والقواسم. لهذا يصحُّ القول إنّ تصديق الدستور التونسي الجديد يُمثِّل منعطفًا مُهمًّا في عملية التحول الديمقراطي في المنطقة العربية، ويُمثّل، فضلًا عن ذلك، رسالةً مهمّةً بشأن سُبل شروط نجاح أيِّ عمليةِ انتقالٍ سياسيٍّ في إطار توافقي يعترف بجميع حقوق المواطنين المتساوية في تقرير مستقبل بلدهم.
وفي هذا السياق، تتميَّز التجربة التونسية مِن غيرها مِن الثورات العربية بأنّها أفرزت مسار بناء ديمقراطي حقيقي مبني على الحوار، على الرَّغم من التجاذبات والخلافات العميقة بين التيارات السياسية والفكرية والأيديولوجية المتباينة، وعلى الرَّغم من محاولات رموز النظام السَّابق استغلال هذه الخلافات؛ من أجل إجهاض التجربة الديمقراطية والرجوع إلى السلطة بالقوة، وعلى الرَّغم من العنف الذي تبنَّاه التيَّار السلفي الجهادي الذي جعل منه نقيضًا للثورة وأهدافها. لكن مازال ينتظر القوى الديمقراطية عملٌ كثيرٌ للحفاظ على المسار الديمقراطي؛ فلا مناصَ من بديل قائم على إنشاء تحالفات في ما بينها على المدى القريب.

