رهان ‘الوضع القائم’!
ثمّة رأي أميلُ إليه، بأنّ خطّة وزير الخارجية الأميركي جون كيري للسلام لن تنجح، حتى وإن قبلت بها الأطراف المعنية على مضض. والسبب في ذلك ليس الممانعة الفلسطينية لـ”الكائن المشوّه” الذي من الممكن أن ينجم عن هذه الخطة، ولا “الفيتو” الأردني الذي يمكن أن يُرفع في وجه اتفاق لا يقبله الأردن، عندما “نضرب على الطاولة بقوة”؛ بل السبب الجوهري يتمثّل في أنّ الإسرائيليين لا يرغبون في إنجاز اتفاقية تسوية تنتهي إلى إعلان الدولة الفلسطينية والاعتراف الدولي بها!
ما سيقف، غالباً، أمام إنجاز الاتفاق، ليس موضوع اللاجئين المرتبط بحقّ العودة؛ فهو أمر تمّ حسمه سابقاً، والاختلافات فيه على التفاصيل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وحتى الموقف الأردني هو مرتبط بالتفاصيل. كما أن العائق ليس القدس (إذ ثمّة تفاهمات مبدئية حولها)، ولا الحدود والأمن (فهنالك مخارج لموضوع الأغوار). وربما تمثل المستوطنات وتبادل الأراضي مشكلة، لكن يمكن تجاوزها عبر بعض الضغوط على الفلسطينيين!
عقدة التسوية ستتمثّل في الشرط الإسرائيلي الجديد الذي وضعه بنيامين نتنياهو في وجه الفلسطينيين والعرب، وتشير بعض التسريبات الفلسطينية إلى أنّ كيري يتبنّى هذا المطلب؛ وهو إعلان الفلسطينيين والعرب الاعتراف بإسرائيل بوصفها دولة قومية لليهود. فيما يجادل الفلسطينيون بأنّهم ليسوا معنيين بذلك، فهو شأن داخلي إسرائيلي!
لا أحد يجرؤ، كما كتبنا سابقاً، من العرب والفلسطينيين على إعلان القبول بمثل هذا الشرط. فكل التنازلات الفلسطينية المحتملة فيما يتعلق باللاجئين والحدود والأمن والمستوطنات في كفّة، وهذا الشرط في كفّة أخرى؛ إذ يمثِّل، رمزياً، انتصاراً تاريخياً للرواية الإسرائيلية، ويعبّد الطريق أمام إسرائيل للذهاب إلى مجلس الأمن، غداً، للمطالبة بالحصول على الاعتراف الدولي، ما يلغي جزءاً كبيراً من القرارات الدولية السابقة فيما يتعلّق بالحقوق الفلسطينية، ويضعف موقف فلسطينيي الـ48 مستقبلاً!
ثمة تفسيران في الأوساط النخبوية الأردنية تجاه هذا الشرط. الأول، يرى أنّه تكتيك من قبل نتنياهو لإفشال التسوية السلمية. أمّا الثاني، فيرى أنّه قضية استراتيجية رئيسة، يهدف من خلالها اليمين الإسرائيلي إلى انتزاع هذا الاعتراف التاريخي والمهم. فيما يرى سياسيون أنّه الأمران معاً؛ أي إنّ نتنياهو يكسب على الحالتين، فيما إذا رفض الفلسطينيون سيحمّلهم مسؤولية فشل المفاوضات، وإذا وافقوا سيقدّم للإسرائيليين نصراً تاريخياً رمزياً!
إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يصرّ الفلسطينيون على المناورة مع ضغوط كيري، ولا يعلنون عدم قبولها! الجواب هو أنّ ثمّة استحقاقات مالية جارية على السلطة الفلسطينية، وإذا ما عاندت كيري والأوروبيين، فلن تجد رواتب في آخر الشهر تدفعها لمئات الآلاف من الموظفين. لذلك، هي حريصة على المناورة والمراوغة، لتضع اللوم على الجانب الإسرائيلي!
الإسرائيليون يحملون مشروعاً مختلفاً، وهو الـStatus quo، أو “كيان الوضع القائم”، الذي ينجم عمّا تفرضه إسرائيل من وقائع على الأرض من إجراءات وسياسات ومستوطنات. وربما هذا هو الذي يحرّك الدبلوماسيين الفلسطينيين والأردنيين لانتزاع أي شيء من إسرائيل، بدلاً من السيناريو القائم الذي يعزّز، مع مرور الوقت، قوة الجانب الإسرائيلي ويرفع من سقفه؛ إذ ينظر هؤلاء الدبلوماسيون إلى ما يقدّمه كيري بأنه بمثابة “الفرصة الأخيرة”!
قبل ذلك وبعده، يبقى سؤال المليون هو فيما إذا فشل كيري، كما يتوقع كثير من السياسيين، فهل لدى الفلسطينيين والأردنيين والعرب أي بديل، أم أنّنا سنترك الأمر لعامل الزمن الذي يتفاءل به بعض السياسيين، ويقدّمون مؤشرات على ذلك، لكن التجربة علّمتنا أنّه يسير لصالح الطرف الآخر على حساب الفلسطينيين؟!
الغد

