صحيفة الكترونية اردنية شاملة

القاعدة .. أفعى يائسة متعددة الرؤوس

0

اعتاد مديرو أجهزة المخابرات في الغرب المزاح بالقول إن أسوأ عمل في العالم هو أن تكون الرجل الثالث في القاعدة. ففي ذروة برنامج طائرات الدرون الأمريكية (الطائرات من دون طيار) التي كانت تلتقط بصواريخ هيلفير قادة القاعدة الذين كانوا على ما يبدو يتحركون كما يشاؤون في جبال اليمن البعيدة والأراضي الحدودية القبلية في باكستان، كان ذلك يعني أن من يصبح الرجل الثالث يصبح في حكم الميت.

لكن القاعدة أثبتت أن لها خاصية أفعى الهايدرا الأسطورية متعددة الرؤوس. فبدلاً من أن تذبل وتتآكل، على العكس تماماً، بدأت تتكاثر. لم يسبق لهذه المجموعة والجماعات المرتبطة بها أن كان لها في يوم من الأيام سيطرة على أراض أكثر مما لديها الآن، أو كان لها هذا العدد الكبير من المجندين في صفوفها، أو كانت ممولة جيداً، كما هي الآن. حققت المجموعات التي منحتها القاعدة حقوق الامتياز في الأشهر الأخيرة نجاحات، أو شبه نجاحات في مناطق امتدت من الساحل في شرق إفريقيا إلى بلاد الشام عبر القرن الإفريقي، مرورا باليمن والعراق.

وفي 2012 كانت قوات القاعدة على بعد ساعات من السيطرة على مدينة باماكو، عاصمة مالي. وفي 2013 تمكنت هذه المجموعة من نشر التطرف في النزاع السوري. واستهلت هذه السنة باقتحام قواتها مدينة الفلوجة في العراق، التي تبعد فقط 70 كيلو متراً عن بغداد. ولا تزال تسيطر عليها حتى الآن.

ويوم الأربعاء الماضي بدأت لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي تحقيقاً في انتعاش هجمات المجموعة. ووصف مايك روجرز، العضو الجمهوري في الكونجرس الذي يرأس اللجنة، موت القاعدة بـ “الحكاية الزائفة”، وحذر من المبالغة في قبول هذه الرواية في واشنطن. وأضاف في تحذيره: “إن هزيمة الأيديولوجيا تحتاج إلى أكثر من مجرد ضربات بطائرات الدرون”.

وتبرز ثلاثة أسئلة أساسية تسبب القلق للغرب في تعامله مع عودة المجموعة. ما مرونة ومتانة هذه العودة؟ وما مدى مركزية هيكلها التنظيمي؟ وما مقدار التهديد الذي تشكله حالياً على المستوى الدولي؟

والأمل بين معارضي القاعدة يكمن في أن نهضتها تَشي بأنها لا تزال عدواً خطيراً، لكنه أصيب بضعف مميت. ويرى كثير من الناس أنها أصبحت شبكة من الوكلاء اليائسين الذين غذُّوا التحرر من الأوهام الناتجة عن الربيع العربي، ولكنهم أصبحوا في النهاية، في البلدان الموجودين فيها، إما من ذوي التركيز على الشأن المحلي الذين يتبعون أساليب برجماتية، وإما أنهم يعتقدون أنها ربما تحرق نفسها من خلال ممارساتها الوحشية، أو تعزل نفسها عن السكان المسلمين بسبب اضطهادها لهم بالقدر نفسه الذي تشن فيه حرباً جهادية ضد الغرب وحلفائه الإقليميين.

ويدللون على ذلك بالوضع في سورية، حيث يرتكب الجهاديون الذين يحاربون لأجل دولة الإسلام في بلاد العراق والشام “داعش” فظائع ضد المدنيين، ويحولون المجموعات الإسلامية الأخرى ضدهم.

لكن وحشية داعش – وحكاية “البذور الكامنة المسببة لدمارها” التي تنشرها القاعدة بأعمال من هذا القبيل في الغرب – ستبقى بعيدة عن إعطاء صورة كاملة عن الوضع. القاعدة بالتأكيد يائسة، ولم تعد منضبطة بالدرجة نفسها التي كانت عليها من قِبل سلطة مركزية. ولكنها أثبتت أن لها القدرة على التكيف، وهي متنبهة جداً لأخطائها التي ارتكبتها في الماضي.

أفغانستان وباكستان

كانت الهزيمة المنكرة التي منيت بها القاعدة في أفغانستان واسعة. ويقدر المحللون في شؤون المخابرات عدد الأفراد الناشطين من القاعدة في البلاد بمائتي فرد، على الرغم من مخاوف كثيرين من رجوعها في حال جفاف المعونات المقدمة للحكومة الأفغانية الهشة.

وحتى الآن يبقى الوجود الجوهري للقاعدة في المنطقة – وفي العالم – مقتصراً على باكستان، مقر أيمن الظواهري، خليفة أسامة بن لادن في زعامة القاعدة. وتمتد روابط القاعدة بشكل عميق في هذا البلد. ومما له دلالته في هذا الأمر أن الولايات المتحدة أمضت عقداً حتى تمكنت من العثور على مكان ابن لادن، الذي تبين أنه كان يعيش في مجمع داخل مدينة أبوت أباد. وعلى الرغم من أن القاعدة معروفة بوجودها المهم في المناطق القبلية المدارة اتحادياً في البلاد، إلا أن الكثير من المحللين يعتقدون أن قيادتها المركزية تعمل بسهولة – أو ربما تكون حتى متمركزة – في أكثر المناطق الحضرية المكتظة بالسكان.

وحملة طائرات الدرون الأمريكية تفسر السبب في ذلك. يقول شاشانك جوشي، وهو زميل باحث في معهد رويال يونايتد سيرفيسيز، وهو مركز أبحاث بريطاني: “أنت لا تستطيع بكل بساطة أن تذهب وتقصف مناطق واقعة في المدن. القاعدة تكيفت مع إجراءاتنا في مكافحة الإرهاب وأصبحت أكثر متانة ومرونة في هذا الشأن. وعلى الرغم من أن قياداتها أصبحت مشتتة في مواقع مختلفة، إلا أن من الواضح أنها لم تعد تلك المنظمة التي تعتمد على جماعات صغيرة من الأفراد لأجل بقائها”.

سورية والعراق

يصعب الآن أن نتصور حقيقة كيف أن القاعدة والمجموعات المرتبطة بها لم يكن لها وجود في بلاد الشام قبل اجتياح الولايات المتحدة العراق في 2003. والمصير السيئ الذي آل إليه احتلال الولايات المتحدة للعراق أوجد بيئة خالية من سيادة القانون تزدهر فيها حكومات الجهاديين المتطرفين لكي يضربوا بجذورهم عميقاً، وأثار نشوء قضية أيديولوجية قوية ليسعى وراءها هؤلاء الجهاديون.

وبدأت عقدة النجاحات الأولى التي حققتها القاعدة في العراق تحت قيادة الأردني أبو مصعب الزرقاوي تنحل اعتباراً من 2006، ويعود الفضل في ذلك إلى مجموعات الصحوة السنية المحلية في محافظة الأنبار، الممولة جيداً من الولايات المتحدة، والتي ثارت ضد القاعدة بسبب تجاوزاتها. لكن ومنذ ذلك الحين عادت لنشاطها. أما في سورية، فقد وفر الهجوم الوحشي الذي شنه رئيس البلاد العلوي، بشار الأسد، على المتظاهرين السلميين السنة الفرصة لتوسيع وجود القاعدة في المنطقة. وفي العراق ساهم سوء الإدارة السياسية لرئيس الوزراء نوري المالكي، وتسرب المقاتلين من سورية في تجدد وجود هذه المجموعة في الأنبار.

وتدعي كل من جبهة النصرة التي يقودها أبو محمد الجولاني، ودولة الإسلام في بلاد العراق والشام التي يقودها أبو بكر البغدادي، أنها مرتبطة بالقاعدة في المنطقة. النصرة – التي يقودها سوريون والأكثر تساهلاً – مدعومة من الظواهري. أما مجموعة داعش الأكثر وحشية التي يسيطر عليها العراقيون فقد عزلت نفسها عن شرائح واسعة من السكان المحليين بسبب قسوتها.

اليمن

الجبال البعيدة جنوبي اليمن هي مكان ولادة القاعدة، وما زالت تعتبر حتى اليوم من أهم المعاقل المتماسكة لهذه المجموعة في العالم. وجدت القاعدة العزاء بين القبائل المستقلة شديدة البأس، المقيمة في المناطق الجبلية، وأصبحت تستغل التذمر الناتج عن الفقر الطاحن المنتشر بين الناس والمشاعر المعادية للشمال، وفي الفترة الأخيرة ضربات طائرات الدرون الأمريكية، التي غالباً ما تصيب أهدافاً بريئة.

واندمجت فروع مجموعة القاعدة اليمنية والسعودية في 2009 لتشكيل ما يسمى بالقاعدة في شبه الجزيرة العربية، التي يقودها حالياً ناصر الوحيشي، السكرتير السابق لأسامة بن لادن، وأحد أقرب حلفاء أيمن الظواهري. ووكالات المخابرات الغربية تعتبر القاعدة في شبه الجزيرة العربية من أخطر فروع القاعدة. وقد أثبتت هذه المجموعة مرونتها، والدليل على ذلك هو الحملة الحكومية التي بدأت 2012 لإخراجها من منطقتي أبين وشبوا، والتي لا تزال مستمرة حتى اليوم.

وفي الفترة الأخيرة كثفت جماعة القاعدة في شبة الجزيرة العربية من أساليبها في تصدير الجهاديين، مستخدمة مجموعات مسلحة أخرى منتشرة حول العالم.

ويقول جون نوجينت، المحلل في شؤون الإرهاب في مؤسسة كونترول ريسكس للاستشارات الأمنية: “هذا هو نوع العلاقة المتنامية التي نراها بين جماعة القاعدة في شبة الجزيرة العربية والمجموعات الأخرى، عندما نلاحظ ترقية الوحيشي والتوجيه العملياتي الفضفاض، حيث توجد بذرة التمويل وإمكانية توافر الشروط اللازمة لمشاركة مقاتلين في خطط بارزة، خاصة في البيئة الأمنية المائعة في شمال إفريقيا”.

القرن الإفريقي

أكبر مجموعة تابعة للقاعدة في القرن الإفريقي هي مجموعة “الشباب”، وهي حركة الشباب السابقة لاتحاد المحاكم الإسلامية، المجموعة الإسلامية المتطرفة التي كانت تسيطر على معظم الصومال.

ومع أنها اضطرت للتخلي عن مناطق هائلة من الأراضي خلال الشهور الـ 18 الماضية، إلا أنها تظل منظمة ذات تمويل قوي وموارد جيدة، وهي منتشرة في مختلف أنحاء الصومال.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن المنظمة كانت تكسب 50 مليون دولار سنوياً حين كانت تسيطر على ميناء كيسمايو. كذلك استغلت تجارة العاج المحظورة وقتلت مئات الفيلة في المنطقة، وفقاً لأشخاص مدافعين عن البيئة.

وفي الوقت الذي دُفِعت فيه مجموعة الشباب إلى الوراء، كانت تسعى لتصدير العنف إلى موطن الجهات التي تحاربها، مثل كينيا. وشنت المجموعة هجوماً على مجمع ويست جيت للتسوق في نيروبي في أيلول (سبتمبر) الماضي، أدى إلى مقتل 224 شخصاً.

ولدى اتحاد المحاكم الإسلامية نفسه روابط قوية مع جوهر القاعدة، إذ أن كثيراً من زعمائها المؤسسين تدربوا في أفغانستان، لكن “الشباب” كانت في الغالب تختار اتباع طريقها الخاص.

وفي 2010 حاول الظواهري استبدال أحمد جوداني، زعيم حركة الشباب، لكن قراره قوبل بالتجاهل. ثم أقسم جوداني يمين البيعة مرة أخرى للظواهري في 2012.

الساحل والمغرب العربي

بعد مضي أكثر من سنة على الهجوم المذهل الذي شنه تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي على مرفق ناءٍ للنفط والغاز في الجزائر، وبعد أكثر من 18 شهراً على سيطرتها على مالي، يبدو أنها الآن في موقف دفاعي. فقد أجبرت القوات الفرنسية هذه المجموعة على الانسحاب من هناك.

ويقود تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي أبو مصعب عبد الودود، وهو أحد الجنود القدامى الذين شاركوا في الحرب الأهلية الجزائرية التي نشبت في تسعينيات القرن الماضي. وقد حاصرت قوات الأمن الجزائرية المجموعات المتطرفة في الأماكن التي تحصنت فيها في ذلك الحين.

وما زالت مشاعر عدم المساواة السياسية والعرقية التي طال عليها الأمد منتشرة من موريتانيا إلى ليبيا، وبقيت حتى الآن مثل الجرح المفتوح. ولم يتم أبداً علاج المشاكل الناتجة عن الإساءات التي ارتكبت خلال الحرب الأهلية الجزائرية، التي بقيت حتى الآن تغذي غضب المجموعات الإسلامية. وازدادت الأحوال سوءاً بسبب إهمال المسؤولين الذي دفع مجموعة عرقية من الطوارق لطلب دولة مستقلة في الصحراء خاصة بهم.

ويقول ستيفين أوبريان، المبعوث الخاص لرئيس الوزراء البريطاني لمنطقة الساحل، مشيرا إلى محاولة القاعدة في المغرب الإسلامي الاستيلاء على باماكو، عاصمة مالي في 2012، التي كادت تنجح: “لا يجب أن يستهين أحد بتقدير الهامش الضيق الموجود بين القاعدة وهدفها المتمثل في الاستيلاء على أجهزة الدولة كلها وخلق ملجأ آمن لهم فيها”.

وأضاف: “من الواضح أن منهج هذه الجماعة التابعة تعدى مرحلة كسب قلوب وعقول السكان، وانتقل إلى توفير الخدمات الأساسية لهم”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.