صحيفة الكترونية اردنية شاملة

دراسة : مصر..الدولة العميقة تكتب دستورها

0

“باستثناء تعديل المواد المتعلّقة بهويّة الدولة وواجبات المجتمع، فإنَّ بقيّة المواد المعدّلة جاءت لتقوية دعائم أجهزة الدولة العميقة القائمة؛ أي الجيش والداخليّة والقضاء، وتعزيز استقلاليتها وحصانتها ضدّ أيّ جهةٍ منتخبة مستقبلًا، بحيث تصبح نتيجة الاقتراع غير مؤثرةٍ في إعادة هيكلة الدولة وإصلاحها، ما يعقّد أي مسارٍ ديمقراطيٍّ مستقبليّ”.

هذا ما انتهى اليه تقدير موقف للمركز العربي للابحاث ودراسة السياسيات اخيرا وهو يستعرض مشروع الدستور المصري الذي بات يعرف بدستور الخمسين.

يقول التقدير لقد ضحّت لجنة الخمسين، والتي يُفترض أنّها ذات أغلبيّة مدنيّة، بالدولة المدنيّة مقابل تعديلاتٍ متوسطة الأهميّة تناسب هواها ومزاجها النخبويّ وصراعها مع الإسلاميين، وسلّمت البلاد في سبيل ذلك إلى الدولة العميقة لكي تعيد كتابة دستورها.

تكشف الأرقام الواردة – حتى الآن – من اللجنة العليا للانتخابات في مصر أنّ نسبة التصويت في الاستفتاء على مشروع الدستور المصري لعام 2014 بلغت نحو 15% من المقترعين، وهي تُمثّل نحو ثلث المشاركين في استفتاء دستور عام 2012 التي بلغت نحو 42%، بحسب اللجنة العليا للانتخابات. ويكشف هذا عزوف المواطنين عن الاقتراع، سواء أكان ذلك نتيجة للمقاطعة أم اللامبالاة السياسيّة.

ويقول المركز العربي بغض النظر عن الأسباب، فسوف يلقي هذا ظلالًا من الشك على شرعيّة الدستور الجديد، وبخاصّة أنّ نسب الاقتراع أصبحت مبرر المعارضة المصريّة في التشكيك في شرعيّة دستور عام 2012.

ويؤكد المركز إنّ المعركة حول الدستور الجديد لن تكون مرتبطة بحجم الموافقة عليه، بل ستكون مرتبطة بنسبة المشاركة. وإذا كان النظام الذي أعقب انقلاب 3 تموز/ يوليو يعتمد بشكل أساسي المنافسة الرقميّة (مثل أعداد المتظاهرين) كسلوك سياسي؛ فمن المتوقع أن يستمر في سياسة “التجييّش”، وربما باستخدام وسائل أخرى، لحثّ المواطنين على المشاركة. وليس من المستبعد أن يعتمد أساليب التلاعب في نسبة المشاركة لإضفاء شرعيّة على الدستور.

وعلى حد تعبير تقدير المركز فقد اعتاد المصريون طوال أكثر من 60 عامًا على أن يقوم المنتصرون بكتابة الدساتير، ولكنّهم اعتادوا أيضًا ألا يحترموه.

ويشهد الشارع المصريّ استقطابًا غير مسبوقٍ، في ظلّ مقاطعة أبرز القوى السياسيّة التي أطاحها انقلاب 3 تمّوز/ يوليو 2013 وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسيّ حزب الحريّة والعدالة.

وكما كان الحال في الصراع السياسيّ والأيديولوجيّ الذي رافق كتابة الدستور المصريّ عام 2012 من قبلِ “الجمعيّة التأسيسيّة” المنتخبّة ونال موافقة أغلبية المقترعين المصريين، فإنَّ أغلب القوى السياسيّة التي تتنافس على المشهد السياسيّ المصريّ لم تهتمّ بالنصوص الدستوريّة ذاتها، بل ركّزت على هويّة مَن يكتب الدستور، في مفارقة جعلت مشروع الدستور المصريّ الجديد لا يختلف كثيرًا – من ناحية المضمون – عن دستور عام 2012 الذي وُصف من قِبل التيّارات التي ساندت الانقلاب العسكريّ بـ “الدستور الإخوانيّ”، باستثناء بعض المواد التي جرى تعديلها وعمّقت نفوذ أجهزةِ الدولة العميقة.

ويذهب التقدير بان أي مراجعة متأنيّة لمشروع الدستور الجديد، فضلًا عن كيفيّة صوغه ومدى تشابهه واختلافه عن الدستور الذي أُقرّ في عهد الرئيس المنتخب محمد مرسي، أنّ الهجوم الإعلامي والسياسي على دستور عام 2012 الذي جرى تعطيله إثر الانقلاب كان في سياق الهجوم على الرئيس مرسي وتياره السياسي والتحضير للانقضاض عليه، وليس بغرض مناقشة مضمون الدستور ذاته.

دستور 2012: إرضاء الدولة والثوّار

تشيع في وسائل الإعلام المصريّة والعربيّة اليوم وجهتا نظرٍ أيديولوجيتان بشأن دستور عام 2012، ومشروع دستور عام 2014. وتقضي الأولى – جماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤها المناهضون للانقلاب العسكريّ – بأنّ لجنة الخمسين المُعيّنة، والتي كُلّفت بتعديل الدستور، لم تكن سوى لعبة بيد المؤسسة العسكريّة المصريّة ورئيسها عبد الفتّاح السيسي. بينما تصرّ وجهة النظر الأخرى – المؤيدة للانقلاب العسكريّ – بأنّ مشروع الدستور المصريّ الجديد أنقذ مصر من وثيقة إخوانيّة كانت ستؤدي إلى كارثة في البلاد.

لكن تقدير الموقف يقول إنَّ كلا الطرحين غير صحيحٍ؛ فدستور عام 2012 لم يكن إخوانيًا، وإن كان يحمل بعض الإشارات الدالة على ذلك، كما أنّ مشروع الدستور الجديد لم يكن مجرد إملاءٍ من السلطات العسكريّة على كاتبيه، بل عكَس أيضًا مزاج “النخبة المدنيّة العلمانيّة التقليديّة” ورغباتها، كما تصف نفسها.

مشروع دستور 2014: انعدام الديمقراطية

وعلى عكس تجربة الدستور المعطّل، فقد اتسمت عمليّة صوغ مشروع دستور عام 2014 بانعدام الديمقراطيّة، سواء أكان ذلك بتعيين جميع أعضاء لجنة الخمسين المكلّفة بتعديل الدستور وليس انتخابهم خلافًا للجمعيّة التأسيسية لكتابة دستور عام 2012، أم بإقصاء معارضي الانقلاب العسكريّ بصورة متعمدة. وعلى عكس الدستور المعطّل أيضًا، اتسمت عمليّة كتابة الدستور الجديد بانعدام الشفافيّة؛ إذ لم تنقل وسائل الإعلام اجتماعات اللجنة، كما أنَّ محاضر الاجتماعات لم تُنشر ليطّلع المواطنون عليها بشكل عام.

ورغم ذلك قال التقدير إنَّ مشروع الدستور المصريّ عام 2014 جاء مشابهًا في أغلبية مواده للدستور المصريّ 2012 المعطّل، وإن حرصت لجنة الخمسين على إعادة صوغ عددٍ من المواد شكليًا مع الإبقاء على مضامينها كما هي، في خطوةٍ لا يُفهم منها سوى رغبة أعضاء اللجنة في الانتقاص – قدر الإمكان – من زملائهم السابقين في الجمعيّة التأسيسيّة لكتابة الدستور المعطل، أو الترويج إلى أنّها قامت بصوغ دستور جديد مختلف كُليًّا عن ذلك الذي عطّله الانقلاب.

واشار التقدير الى المواد الجوهريّة التي مسها التعديل الأساسي ومنها جرت إعادة النظر بالمواد المتعلقة بالهويّة المصريّة، وأعيد النص المتعلّق بالشريعة إلى ما كان عليه في دستور عام 1971، كما حذفت الإشارة الخاصّة بمنع الإساءة إلى الرسل.

وظهر هنا أنّ الضغوط الشديدة التي قامت بها التيّارات السلفيّة وعلى رأسها حزب النور على لجنة الخمسين، كانت غير جديّة وأقرب إلى تسجيل المواقف الكلاميّة.

اما التعديل الجوهري الثاني فظهر منصب الرئيس المصريّ في مشروع الدستور الجديد غامضًا، كما سلبت الوثيقة الدستورية الجديدة بعضًا من صلاحيات الرئيس بعد تعميق امتيازات الدولة العميقة.

اما التعديل الجوهري الثالث فيختص بالقضاء، فقد نص المشروع الجديد على إبقاء جميع الصلاحيات المتعلّقة بالمحكمة الدستوريّة كما كانت عليه قبل دستور عام 2012. وبالمقارنة، وقال أنّ الدستور الجديد قد كافأ المحكمة الدستورية التي كانت رأس حربة في الصراع السياسي خلال مرحلة انتخاب أول رئيس بعد الثورة.

اما الاستحداث الرابع التي وصفها التقدير بذات طبيعة انتقاميّة وقد تُستخدم ضدّ المعارضين من الإسلاميين؛ إذ استحدثت (المادّة 74) التي تحظر قيام أحزاب على أساسٍ دينيّ، كما استحدثت أخرى تلزم الدولة بمواجهة الإرهاب وتجفيف مصادر تمويله (المادة 237)، اضافة الى مواد انتقاليّة خصصت لإرضاء ما بات يعرف بالأقليّات الدينيّة والثقافيّة.

كما لم يتضمّن الدستور أيّ نصوص متعلقة بالعدالة الانتقاليّة أو بعزل رموز النظام القديم، في حين نصّ دستور عام 2012 على مادة العزل السياسيّ التي منعت قيادات الحزب الوطني المنحل من ممارسة العمل السياسي، والترشّح للانتخابات الرئاسية والتشريعية لمدة عشر سنوات من تاريخ العمل بالدستور. كما جرى ربط ثورة 25 يناير بثورة 30 يونيو، وذلك لإضفاء الشرعيّة على نتائج الأخيرة، والتي من بينها وثيقة الدستور التي يجري الاستفتاء عليها، ونزع الخصوصيّة عن ثورة 25 يناير والتي تتجلّى في (المادة 65) من الدستور المعطّل وفي ديباجته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.