صحيفة الكترونية اردنية شاملة

في تونس: صفقات سياسية وأنموذج آخر للربيع العربي!

0

احتفل التوانسة أمس بالذكرى الثالثة لاندلاع “ثورة الياسمين” التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي؛ تلفهم روح من التفاؤل النسبي حيال مستقبل أفضل، بعد تراجع حالة الشد والجذب بين الفرقاء السياسيين، والتي لفت البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية. مزاج المساومات والتفاهمات جنّب العباد شرور الفوضى وشلالات الدماء التي تسيل في مصر وليبيا وسورية.

فالجمهورية التونسية -أيقونة الثورات- تشهد هذه الأيام عملية انتقال سلمي فريدة للسلطة، مفتاحها “شرعية توافقية”، تقوم على خريطة طريق قيد التنفيذ، انبثقت من صفقات سياسية بين حزب النهضة الحاكم، وبين المعارضة العلمانية واليسارية مدعومة بقوى المجتمع المدني.
هذه الخريطة السياسية لم تأت بالمجان؛ بل وُلدت من رحم احتجاجات واسعة استمرت خمسة أشهر، بعد مقتل الزعيمين المعارضين شكري بلعيد والنائب محمد البراهمي على يد جماعات متشددة. وترافقت مع تكسير شوكة الإخوان المسلمين في مصر، بعد انقلاب الجيش وفئات مجتمعية على نظام محمد مرسي، أول رئيس منتخب؛ ومع تنامي حراك التيارات الجهادية و”القاعدية” المتشددة في سورية.
بالطبع، للتوافقات السياسية جوانب سلبية، قائمة على صفقات وانتهازية مقلقة. لكنها تضمن حماية الحد الأدنى من مصالح الأطراف كافة، عبر التلاقي حول الخطوط العريضة للمسار وليس حول التفاصيل، حيث يكمن الشيطان. وقد ينفرط عقد التراضي عند أولى الهزّات.
لكن في حال تعززت التجربة مع الوقت، وترسخت مفاهيم التداول السلمي للسلطة، فإن الأبواب ستشرع تدريجيا أمام الاستقرار السياسي والاقتصادي، وستتدفق استثمارات، وتُخلق فرص عمل لجيش الباحثين عن عمل؛ ما يخفف من حدة الاحتقان السياسي.
الخريطة السياسية الأخيرة قيد التنفيذ
المجلس التأسيسي منهمك في إقرار الدستور الثاني، في إطار تسويات بين الأحزاب الثلاثة التي تسيطر على البرلمان، بما فيها حزب النهضة الحاكم، وغيره من الأحزاب والقوى المستقلة التي تكافح لتضمن لها مكانا على الخريطة السياسية.
ويعكف رئيس الوزراء المكلف مهدي جمعة، على تشكيل حكومة محايدة، تُجرى الانتخابات التشريعية في عهدها هذا العام، بعد تشكيل لجنة عليا للإشراف على الانتخابات، وقبول رئيس الوزراء من “النهضة”، علي العريض، الخروج من السلطة التزاما بالتوافق.
جمعة خدم مع العريض، ما يجعله مقبولا لدى “النهضة”. لكن وزير النقل السابق يفتقر إلى الخبرة السياسية المطلوبة.
عودة إلى “تونس الخضراء”، فإن مزيجا مركبا من المشاعر يطغى على الشارع المستقطب. فمن جهة، يتنفس “التوانسة” الصعداء لأن بلادهم بقيت بعيدة عن السيناريو المصري. حزب النهضة أثبت براغماتية عالية، وتنازل عن الحكومة ولو إلى ما بعد الانتخابات؛ بعكس إخوان مصر. ما يضمن بقاء التنظيم التونسي على الخريطة السياسية. كما ظل الجيش التونسي محايدا، ولم ينحز لمطالب فئات شعبية للانقلاب على الإسلاميين، كما حصل في مصر. لكن هناك نقمة على انتهازية الأحزاب السياسية كافة، وخذلانها لأهداف الثورة.
القضايا المعيشية وارتفاع الأسعار الجنوني، تتصدر أولويات غالبية “التوانسة” الآن، وليس تقاسم كعكة النفوذ السياسي كما هي حال النخب المتشظية. إرهاق من فوضى الثورة، وبعض الحنين إلى أيام بن علي، حين كانت الأسعار ثابتة والمداخيل الشهرية “أكثر بركة”، ومن لم يلعب بالسياسة لم يكتو بنار القمع آنذاك.
يبقى أن هذه التوافقات السياسية لا تقلّل من تحديات عديدة تقض مضاجع “التوانسة” ورئيس الوزراء المكلف. فهناك تحدي التراجع الاقتصادي، وتنامي البطالة والفقر، وارتفاع الأسعار، وضرورة تخفيض الدعم؛ معطوفا على ذلك الفراغ الأمني الذي شجع صعود الجماعات السلفية والتكفيرية، مع مخاوف من ضمور استقلالية القضاء. وهناك أيضا أسئلة تتعلق بمستقبل البلاد بعد الانتخابات، ودور “النهضة” الذي يُتوقع له الفوز بحصة الأسد. وثمة تساؤلات حول هوية الأحزاب التي ستدخل في تحالفات مع “النهضة”، لضمان إدامة نفوذه.
رئيس الوزراء المكلف مكبّل بالتزامات التفاهمات السياسية. وهو سيدير، على الأرجح، حكومة تصريف أعمال. هدفه الأول، الإشراف على انتخابات حرة ونزيهة؛ فلن يتخذ أي إجراءات اقتصادية لإصلاح الخلل ومراجعة الدعم، بعد أن اضطر العريض إلى وقف تنفيذ قرار فرض ضرائب على سيارات المواطنين والمزارعين عقب اندلاع ثورات وأعمال عنف في أرجاء متعددة من البلاد. وسيستمر نزف الاقتصاد والخزينة المثقلة بالديون، ومعها عدم رضا الصناديق الأجنبية والدول المانحة على حساب إصلاحات مالية وهيكلية.
في الأثناء، ثمة نقاط إيجابية تعكس قبسا خافتا في نفق “الربيع العربي”.
فقد صوّت النواب في المجلس التأسيسي على عدد من مواد الدستور الجديد بطريقة غير مسبوقة في العالم العربي، حتى تكاد تتفوق على دستور الحبيب بورقيبة الذي يعد متقدما على زمانه، لجهة فصل الدين عن الدولة. فى بعض البنود التي تم إقرارها، حال متقدمة في زمن طغى فيه التدين السياسي والاجتماعي على ما عداه. الأحزاب أخذت وأعطت، والخلاصة: تونس دولة دينها الرسمي الإسلام، ومدنية تقوم على المواطنة وحكم القانون. ما يحسم النقاش نهائيا بشأن جعل الشريعة مصدرا وحيدا أو أحد مصادر التشريع. والمرأة نصف المجتمع، أعطيت حقوقا وواجبات متساوية مع الرجل، بعكس ما طالبت به “النهضة” -في أيام عزها- عندما أرادت مفردة المرأة “مكمّلة للرجل”، ما كاد يهدد مكتسبات مدونة الأسرة والأحوال الشخصية، ويمحو عقودا من المساواة المعنوية التي تمتعت بها التونسيات منذ الحقبة البورقيبية. وهذا إنجاز حقيقي.
الإنجاز الآخر يكمن في أن الدستور حمى في أحد فصوله “حرية الضمير”؛ التي تتيح للفرد اعتناق أي دين أو الـ”لا دين”، وممارسة شعائره ومعتقداته من دون تضييق، ومن دون تطبيق أحكام الردة. ولا تقتصر حرية الضمير على المعتقد الديني، بل هي أيضا تصون حرية الانتماء السياسي والفكري والأيديولوجي والتعبير عن الرأي. وفي هذا انتصار للقوى العلمانية واليسارية ومنظمات المجتمع المدني والإعلام الذي ناضل لحماية الهوية التونسية القائمة على الاعتدال والانفتاح.
مقابل ذلك، يرى نشطاء أن الدستور الجديد مليء بثغرات تعكس رغبة في التوافق الآني، ما قد يفتح الباب أمام جدال واسع عند التطبيق، وقد يظل حبرا على ورق. فمثلا، يجرّم الدستور الجديد “التكفير”، ما يعتبره نشطاء تناقضا مع “حرية الضمير والتعبير”. التفاهمات بين ساسة البرلمان، تنسحب أيضا على بنود الدستور المتعلقة بالسلطتين التشريعية والتنفيذية، والتي تحدد صلاحيات رئيس الجمهورية. وقد تظهر مثالبها لاحقا، وتؤدي إلى إشعال الشد السياسي من جديد بعد الانتخابات.
النظام السياسي المحدد في الدستور الجديد “مختلط” بين رئاسي وبرلماني، وليس برلمانياً مطلقاً كما أراد “النهضة”. وأعطت التعديلات صلاحيات واسعة لرئيس الوزراء القادم من رحم الحزب الذي يفوز في الانتخابات، وليس الكتلة الأكبر التي ستتشكل في البرلمان، كما حال المغرب مثلا. وفي ذلك انصياع لرغبة “النهضة” التي يريد ضمان عودته إلى السلطة بعد الانتخابات؛ إذ يبقى القوة السياسية الأكثر تنظيما والأوسع تأثيرا بعد تراجع شعبية الحزبين الآخرين في “الترويكا”.
واتفق البرلمانيون مبدئيا على أن يتم انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب، بعد أن كان يُنتخب من البرلمان. كما أُسند إليه رسم السياسات الخارجية والدفاعية للدولة، وتعيين الدبلوماسيين والعسكر، والرتب الأخرى المرتبطة بالأمن القومي. هذا بالإضافة إلى استشارته لدى تعيين وزيري الخارجية والدفاع. ونيطت به صلاحية حل البرلمان. لكن رئيس الوزراء مدجج بالنفوذ والصلاحيات.
تونس تسير إلى الأمام مجددا، بعد أن ظن غالبية المراقبين، في الداخل والخارج، أنها دخلت عنق الزجاجة؛ مع الاغتيالات السياسية وتعقيدات الأوضاع المعيشية.
ويتفاخر شبان ونشطاء وساسة تونسيون بأن بلادهم نجت من أعاصير السيناريو المصري، والدم السوري، والفوضى في ليبيا واليمن، أو انكفاء الإصلاحات السياسية في الأردن والبحرين. بتهكم أو حزن، يراقبون المشهد المصري، حيث من المتوقع أن يعود وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي رئيسا لمصر عبر بوابة الانتخابات، لتعود مصر مجددا إلى مرحلة حكم الرجل الواحد. في الأثناء، تتواصل مناهضة القوى المناوئة للانتخاب بتحشيد من الإخوان، ما يهدد الاستقرار السياسي لسنوات.
الثورة التونسية فتحت صندوق العجائب في المنطقة؛ “أخرجت الجنيّ من القمقم”، وفق المثل الغربي. ولم يعد للخوف مكان في تونس. لكن التحدي الأصعب -حالها حال غالبية دول التغيير- هو التوافق على التعددية السياسية بأشكالها كافة، واجتراح نظام اقتصادي يحمي الطبقات الفقيرة ويشجع رؤوس الأموال على الاستثمار؛ لخلق فرص عمل، وتحسين علاقة المواطن بالسلطة والمنظومة الأمنية.

الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.