صحيفة الكترونية اردنية شاملة

جنوب السودان .. صراع وليد في الدولة الجديدة

0

عبر الصراعٍ الخفيٍّ بين قيادات الدولة الجديدة في جنوب السودان عن نفسه بسلسلة من الاجراءات كانت الشرارة لانطلاق انتفاضة مسلحة لم تهدأ حتى اللحظة.

أعلن الرئيس سلفا كير ميارديت، رئيس جمهورية جنوب السودان، في الـ 15 من كانون الأول 2013 محاولة انقلابية، قام بها نائبه المقال رياك مشار ومجموعة من مناصريه. وقاد هذا الإعلان إلى نشوب نزاع مسلّح بدأ في العاصمة جوبا ثم تمدّد، وبسرعة شديدة، الى مناطق حقول النفط، لتدخل بذلك جمهورية جنوب السودان الوليدة في أتون مواجهات تتشابك فيها كلّ عناصر الصراع على السلطة والثروة، فضلًا عن الانقسامات القبلية.

المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات استشهد في تقدير موقف نشره مؤخرا بعدة اجراءات منها عبرت عن هذا الصراع منها اعفاء الرئيس سلفا كير نائبه رياك مشار وجميع أعضاء الحكومة، في تموز 2013 أعفى في أكبر تغيير وزاري شهده جنوب السودان منذ استقلاله قبل نحو عامين. كما أحال إلى التحقيق، الأمين العامّ للحركة الشعبية لتحرير السودان، الحزب الحاكم في جمهورية جنوب السودان، باقان أموم، عقب تصريحات علنية انتقد فيها أموم أداء الحكومة.

في كل حال هو صراع ليس جديدا، فقد ظلّ يتصاعد بين قيادات “الحركة الشعبية لتحرير السودان” منذ تموز / يوليو 2005، بُعيد موت الزعيم التاريخي للحركة جون قرنق في حادث تحطّم مروحية غامض، وتفاقمت النزاعات بين القيادات الجنوبية، وظهرت بصورة علنية، بعد أن أعلن رياك مشار، عقب إعفائه من منصبه، أنّه ينوي الترشُّح لمنصب الرئيس في الانتخابات المزمع إجراؤها في 2015.

ووقف إلى جانب مشار في إعلانه هذا عددٌ من المسؤولين السابقين الذين أطاحهم الرئيس سيلفا كير في إطار جهده للتخلّص من القيادات التاريخية التي قادت معه حرب التحرير؛ ومن أبرز هؤلاء باقان أموم، الأمين العام للحركة الشعبية، ودينق ألور، وزير الدولة الأسبق لخارجية السودان قبل الانفصال، وربيكا قرنق، أرملة مؤسّس الحركة الراحل جون قرنق. ولقد تطابقت رغبة هذه المجموعة، في ما يبدو، مع رغبة رياك مشار في ألّا يحصل الرئيس سلفا كير على فترةٍ رئاسية ثانية.

واعاد التقدير هذا الصراع الى جذور قبلية فقال توجد في جنوب السودان عشرات القبائل، غير أنّها تعود في أصولها إلى ثلاث مجموعاتٍ رئيسة، أكبرها المجموعة النيلية التي تمثّل 65% من مجموع السكان، والتي تضمّ القبائل ذات النفوذ السياسي الأكبر؛ فقبائل الدينكا تمثّل ما نسبته 40% من المجموعة النيلية، وهي القبيلة التي ينتمي إليها الرئيس سلفا كير. وتأتي قبيلة النوير في المرتبة الثانية بما نسبته نحو 20%، وهي القبيلة التي ينتمي إليها رياك مشار نائب الرئيس المقال. ثمّ تأتي قبيلة الشلك بنسبة 5%، وهي القبيلة التي ينتمي إليها كلّ من باقان أموم الأمين العامّ للحركة الشعبية، ولام أكول أجاوين، أحد قياداتها التاريخية. وكان هذا الأخير اختلف مع جون قرنق وأصبح حليفًا للخرطوم. وظلّ هناك حتى بعد أن انفصلت الحركة الشعبية في جنوب السودان. ولم يعد إلى جوبا إلا مؤخرًا بعد أن نال تطمينات جنوبية.

تداعيات الصراع المحتملة

وتحت عنوان تداعيات الصراع المحتملة ذهب تقدير المركز الى ان المواجهات المسلّحة ما زالت مستمرّة منذ أسبوعين، على الرغم من قبول الطرفين اللقاء للمفاوضات في أديس أبابا بتأثير ضغوط إقليمية ودولية. واستعاد المتمردون مدينة بور عاصمة ولاية جونقلي من جيش الحكومة، بعد أن كان استردّها منهم. وكان الرئيس سلفا كير قد قبل التفاوض دون شروط كما أطلق ثمانية مسؤولين من أصل أحد عشر مسؤولًا كان قد اعتقلهم، على أثر ما وصفه بأنّه انقلاب عسكري.

وقال: إذا تتبّعنا سير المواجهات على امتداد الأسبوعين الماضيين، يبدو واضحًا أنّ حقول النفط، وتأكيد الوجود العسكري على الأرض هما أبرز أهداف المتمرّدين؛ ففي حالة انشطار الجنوب إلى أكثر من دولة تصبح حقول النفط مرتكزًا أساسيًّا لاقتصاد الجهة التي تسيطر عليها، بخاصّة أنّ النفط هو مصدر الدخل الوحيد في جمهورية جنوب السودان. وفي حالة التفاوض، تصبح السيطرة على حقول النفط ورقة مهمّة للحصول على تنازلات سياسية، في أيّ اتفاق يُبرم. وتسيطر قوات رياك مشار الآن على مناطقَ بالغة الحيوية، ما يقوّي موقفها في المفاوضات. ومن الواضح أنّ الصراع الحالي قد أظهر وجود مركزَي قوّة رئيسيْن في دولة الجنوب، سيتقاسمان السيطرة على البلد؛ بغضّ النظر عمّا ستخرج به المفاوضات. ولذلك ستظلّ بنية الدولة في جنوب السودان منقسمة وفقًا لخطوط قبلية، بين قوّة عسكرية تملكها حكومة الرئيس كير، وأخرى يملكها خصومها بقيادة نائبه السابق مشار.

تأثر جمهورية السودان بالصراع

لكن ماذا عن تأثّر جمهورية السودان بالصراع؟ يقول التقدير تأثّر اقتصاد جمهورية السودان بانفصال الجنوب تأثّرًا كبيرًا؛ إذ فقدت جمهورية السودان ما يزيد عن 70% من عائدات النفط، واعتمدت في سدّ الفجوة في موازنتها السنوية نتيجة ذلك على رسوم عبور نفط دولة جنوب السودان أراضيها إلى ميناء التصدير. ويقدّر المبلغ السنوي الذي يمكن أن يعود على جمهورية السودان من رسوم العبور، بمليارَي دولار سنويًّا. وتأكّدت أهمية هذا المورد، حين أوقف الرئيس البشير عبور نفط الجنوب أراضي الشمال؛ بسبب قيام دولة جنوب السودان بدعم الحركات المتمردة في ولايتَي جنوب كردفان والنيل الأزرق. ودخل السودان، نتيجة لذلك في أزمة اقتصادية؛

وتوقع التقدير ان تواجه جمهورية السودان مزيدًا من الصعوبات الاقتصادية؛ بسبب احتمال توقّف ضخّ النفط مرةً أخرى نتيجة الصراع الدائر في الجنوب. وسوف يكون متعذّرًا على الحكومة اتّخاذ أيّ إجراء اقتصادي لسدّ الفجوة، مثل فرض مزيد من الضرائب، بخاصة بعد تظاهرات أيلول / سبتمبر الماضي. ولا يبقى بذلك أمام حكومة السودان سوى طلب العون المالي العربي، في وقتٍ لم تعد الحكومة السودانية تتمتّع فيه بقبولٍ عربي واسع، نتيجة لسياساتها الخارجية ومنظومة تحالفاتها.

كما سيقود احتدام الصراع على حقول النفط في ولاية الوحدة، وفي ولاية أعالي النيل اللتين لهما حدود طويلة مع السودان، إلى نزوح عددٍ كبير من المواطنين الجنوبيين إلى أراضي جمهورية السودان، ما يحمِّل حكومة السودان أعباء مالية وإدارية وأمنيّة، لا قبلَ لها بها.

مواقف القوى الدولية والإقليمية

اشار التقدير الى ان جنوب السودان يمثّل نقطة تقاطع مصالح بين الولايات المتحدة، وبعض الدول الأوروبية، والصين؛ فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمثّل جنوب السودان أهمية خاصة من الناحية الجيوستراتيجية، بخاصة بعد إنشاء القيادة العسكرية لأفريقيا “آفريكوم”. في حين يمثّل وجود الشركات الصينية في المنطقة تحدّيًا اقتصاديًّا لنظيرتها الأميركية التي تبدو مهتمّة بفرص الاستثمار في هذه الدولة البكر، في قطاعات الزراعة، والمعادن، والثروة الغابية وغيرها

وتتحرّك كلّ هذه الأطراف ومعها شركاؤها الإقليميون الآن وبسرعة؛ لاحتواء الأوضاع في جنوب السودان، حتى لا تخرج عن نطاق السيطرة، بخاصة أنّ دول الجوار تشهد بدورها اضطرابات، مثل جمهورية الكونغو، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وكلاهما جاران لجنوب السودان. كما أنّ اندلاع حرب جديدة في جنوب السودان وخروجها عن السيطرة، سوف تكون له آثاره الكبيرة في كلٍّ من أوغندا، وكينيا، وإثيوبيا؛ وهي دول لها حدود مشتركة مع جنوب السودان، وأصبح لها بعد الانفصال، مصالح اقتصادية متنامية معه. لذلك، سوف تضغط هذه الجهات الدولية والإقليمية، بكلّ ما لديها من قوة، لإعادة جنوب السودان إلى حالةٍ من التوافق الداخلي والاستقرار. كما ستحرص هذه الأطراف على استمرار ضخّ النفط الجنوبي عبر أراضي الشمال؛ إذ من دون إنتاج النفط وتسويقه، سوف يصبح الجنوب عبئًا وعالةً على المجتمع الدولي.

ويختم المركز تقديره بالقول”: دولة جنوب السودان تواجه أخطر أزماتها الداخلية منذ ولادتها قبل عامين، كما يبدو أنّها حملت بذور أزمتها معها عندما انفصلت عن الشمال؛ فالانفصال الذي جرى تسويقه بوصفه حلًّا لقرونٍ من هيمنة الشمال العربي المسلم على الجنوب المسيحي الأفريقي، لا يبدو أنّه أنهى مشاكل الدولة الجنوبية الوليدة، ما يعني أنّ مقاربة الحلّ هو الانفصال، لم تكن صحيحة أصلًا؛ فالحلّ كان وسيبقى في دولة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات. ولا يحتاج جنوب السودان إلى الدخول في صراع مرير وطويل مرةً أخرى، حتّى تتبيّن له هذه الحقيقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.