صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الأسواق الناشئة تنزل بالذهب من عرشه

0

يا لها من سنة رهيبة بالنسبة للمستثمرين في الذهب والأسواق الناشئة، تلك السنة التي انقضت للتو. شهد المعدن الأصفر تراجعاً هائلاً بلغت نسبته 29.3 في المائة. وانخفضت أسهم الأسواق الناشئة 4 في المائة، مقارنة بارتفاع نسبته 24.5 في المائة لأسهم البلدان المتقدمة، استناداً إلى بيانات من مؤشرات داو جونز وستاندارد آند بورز. والسؤال المحير هو ما إذا كانت هناك صلة بين حالات السقوط في فئتي الأصول هاتين، المختلفتين تماماً.

من المغري أن نحلل ونبرر هذه الانخفاضات منطقياً عن طريق الإشارة إلى إجراءات البنوك المركزية، لكن هذا لا يعطينا تفسيرات مرضية تماماً. في السنة التي وسّعت فيها البنوك المركزية ميزانياتها العمومية إلى مستويات غير مسبوقة، ربما كان من المتوقع أن يزيد الطلب على الذهب باعتباره وسيلة للتحوط ضد التضخم، لكن الأمر لم يكن كذلك. وهناك حجة أفضل من إلقاء اللوم في محنة أسهم الأسواق الناشئة على قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة، الخاص بالحد من، أو تفكيك، أنشطة شراء السندات. لا شك أن الضجيج الشديد حول الانسحاب التدريجي أسهم في عكس اتجاه تدفقات رأس المال، لكن معظم الجيشان في الأسواق الناشئة، الذي بدأ في حزيران (يونيو)، جاء أيضا من التدقيق والمتمحص الذي قام به المستثمرون للأساسيات الاقتصادية في كل بلد على حدة.

والسبب في أنني أثير إمكانية وجود صلة، هو أن مستهلكي الذهب في الأسواق الناشئة بذلوا، تاريخياً، أكبر تأثير منفرد في سعر الذهب. وفي بحث نشر في العام الماضي، أشار أميت بهارتيا، وهو مدير مَحافظ، ومات سيتو، وهو باحث، وكلاهما يعملان في شركة GMO الأمريكية لإدارة الأموال، إلى أن المستهلكين في الأسواق الناشئة شكلوا بين عامي 2000 و2010 ما نسبته 79 في المائة من إجمالي الطلب على الذهب، وأن الهند والصين إلى حد بعيد كانتا أكبر البلدان المحركة لهذا الطلب. وخلال الفترة نفسها، كانت البنوك المركزية في الواقع بائعاً صافياً، في حين شكلت الصناديق المدرجة في البورصة 7.5 في المائة فقط من الطلب.

والمنطق هنا هو مسايرة الدورة الاقتصادية. ففي البلدان الناشئة يميل الانتعاش الاقتصادي إلى أن يكون أكثر ميلاً إلى التضخم مما هو عليه في البلدان المتقدمة، وبالتالي جاذبية الذهب لاتخاذه وسيلة للتحوط ضد التضخم تزداد وتنقص بالتزامن مع الدورة الاقتصادية. وأظهرت الأزمة المالية الآسيوية في 1997/1998 بوضوح كيف أن الانخفاض في القوة الشرائية للمستهلكين في المنطقة يمكن أن يسهم في انخفاض بنسبة 25 في المائة في سعر الذهب.

وقد يبدو من الطبيعي إذن، أن نفترض أنه مع تباطؤ الصين وغيرها من الأسواق الناشئة سيتراجع سعر الذهب. وتظهر أحدث الأرقام الصادرة عن مجلس الذهب العالمي أن الطلب الاستهلاكي في الصين يعتبر قوياً. لكن الذي أضر بالطلب في الربع الثالث من عام 2013 كان القيود التي أدخلتها الحكومة الهندية على واردات الذهب، جنبا إلى جنب مع تدفقات كبيرة من صناديق الاستثمار المدرجة في البورصة، المدعومة بالذهب. واستيقظ المستثمرون الذين أزيلت الغشاوة عن أعينهم على تكلفة الخروج من سوق الأسهم المزدهرة ومخاطر التشديد السابق لأوانه في السياسة النقدية الأمريكية.

ومن بين أمور أخرى، يعكس هذا بشكل مثير للاهتمام الطريقة التي نفكر بها حيال فئات الأصول. يُنظر إلى الذهب على أنه أحد الأصول الحقيقية، ويتم تكويمه جنباً إلى جنب مع المعادن غير الثمينة والسلع الخفيفة والعقارات. وتم أخيرا إحلال استخداماته الصناعية إلى درجة كبيرة بمواد أرخص. وفوق ذلك، أسعاره قائمة تماماً على المضاربات، مقارنة بالعقارات لأنه لا يدر أي دخل. ونلاحظ أيضا، بصورة عابرة، أن إيرادات الإيجارات ذات جودة عالية جداً لأن لديها حقوقا أعلى على دخل الشركات من تلك التي يملكها المساهمون. وهذا يؤكد التهدل في فئة الأصول الحقيقية.

وأفضل حجة مضادة لهذا الهجوم على الذهب هو اعتبار غياب دخله معادلا لقسط التأمين ضد تخفيض قيمة العملة. لكن تبقى هناك صعوبة في كون الذهب ليس لديه قيمة ذاتية ويكلف أموالاً لتخزينه، لذلك تعتبر مزاياه باعتباره وسيلة للتحوط موضع تساؤل. وفي النهاية، تعتمد حجة الذهب على الاعتقاد بأن الآخرين سيستمرون في التفكير في الأمر باعتباره تحوطاً. ولعدة آلاف من السنين ساد هذا الاعتقاد، على أساس أن الحكومات والبنوك المركزية أساءت إدارة المال بمنهجية مثيرة للإعجاب. لكن لا تزال هناك مشكلة التقلبات التي تأتي من عدم وجود دعامة إيرادات. وخلال السنوات العشرين التي انقضت منذ أن بلغ سعر الذهب ذروته في عام 1980، كان من الممكن أن يفقد المستثمر 80 في المائة من قيمة الاستثمار من حيث القيمة الحقيقية للأسعار.

هناك أوضاع ومحاذير مماثلة تنطبق على أسهم الأسواق الناشئة. ويغلب علينا أن ننظر إلى الأسهم على أنها تمنحنا حقوق ملكية، بما في ذلك حق آخر بخصوص جميع الأرباح التي تجنيها الشركة بعد الوفاء بجميع المطالبات الأخرى. وهذا في جوهره صحيح في العالم الناطق بالإنجليزية. وهو يصبح صحيحاً أكثر من ذي قبل في البر الأوروبي. لكن بالنسبة للشركات اليابانية، فهي تدار لمصلحة الإدارة والموظفين. ويفترض أن تأتي مكافآت المساهمين من المكاسب الرأسمالية – التي كانت متقطعة منذ 1990 – ومن أرباح متواضعة للغاية على الأسهم.

وفي البلدان الناشئة يهيمن الأنموذج العائلي على الشركات، ومستوى الإدارة الرشيدة داخل الشركات متنوع بدرجة كبيرة. ومن حيث الأساس، يعتبر المساهمون من خارج العائلة معتمدين على حسن نية العائلة المسيطرة. وهذا يفسر إلى حد ما عدم وجود ارتباط بين نمو الأسواق الناشئة من جهة وعوائد الأسهم من جهة أخرى.

بالتالي تسعى الجهات التي تجمِّع مؤشرات الأسهم العالمية إلى خداعنا، لأن سوق الأسهم العالمية ليست كياناً متجانساً على الإطلاق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.