صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الحل في العراق فيدرالي

0

خلصت دراسة صدرت حديثا للباحث محمد الجندي تحت عنوان الحلول السياسية للتعايش في ظل الاختلاف والتعدد الفدرالية: دعوة للتقسيم أم حل للمشاكل؟ ان قيام عراق فيدرالي سيكون مستقراً على الأرجح إذا لجأ العرب الذين يشكلون نحو 80 في المئة من سكان العراق إلى تشكيل أكثرية وطنية متماسكة.

وقالت الدراسة التي صدرت مؤخرا لمجلة دراسات شرق أوسطية: ومقدمة لمؤتمر: “المسألة الطائفية وصناعة الأقلّيات في المشرق العربي الكبير في الدوحة التي ستصدر في سبتمبر /أيلول 2014، ان معظم الدول العربية وفي معظم الفترات استخدمت أسلوب الإلغاء والتهميش تجاه الأقليات، ولم تعترف بهذه المكونات كشركاء ومساوين في الوطن وفي الإرث الثقافي والتاريخي المشترك بصورة جدية.

واضافت “إن من يقرأ كتب التاريخ العربية يجد أن تاريخ الأقليات يعرض فيها باقتضاب، ودائماً عبر ربطها بأشخاص معينين أو أحداث معينة وليس كوجود اجتماعي وثقافي وديني قائم بذاته”.

واوضحت: في حال انقسام العرب، على أساس شيعي – سني، فإنّ قيام اتحاد عراقي فيدرالي يظل أمراً ممكناً، إذا نجح في إرساء ممارسات قوية لاقتسام السلطة بين الجماعات الكردية والعربية ضمن الحكومة الفيدرالية، بما في ذلك القضاء والإدارة المدنية والجيش والشرطة، وستعزز فرص النجاح إذا نشأ الاتحاد بدافع داخلي جراء اتفاق يجري التوصل اليه بين قادة جميع هذه الفئات.

وهدفت الدراسة إلى بيان واقع الأقليات والطوائف في الوطن العربي، من خلال تناولها قضية التنوع القومي والديني والطائفي، وهي واحدة من أكثر القضايا تعقيدا وحساسية في منطقة الشرق الأوسط .

وتطرقت الدراسة الى البحث في أفضل السبل للتعايش بين هذه المكونات، من خلال استعراض بعض تجارب الدول المجتمعات الأخرى في هذا الإطار . وحاولت الدراسة بيان إمكانية تطبيق بعض الحلول السياسية في هذا المجال ومنها، نموذج “الفدرالية ” وما هي إمكانية نجاحها في بعض الأقطار العربية لاسيما ذات التنوع القومي والطائفي كالعراق ؟

كما حاولت الدراسة الإجابة على مجموعة من الأسئلة الرئيسية والفرعية ومنها: ما هو حجم مشكلة الأقليات في الوطن العربي ؟ ولماذا يعرض النظام العربي عن حل هذه المشكلة؟ وهل يصلح نموذج الفدرالية في الدولة العراقية ؟

وتعتبر مشكلة الأقليات جزءا من مشكلة أكبر يواجهها نظام الحكم في البلدان العربية، وهي الاختلال الكبير في توزيع السلطة والثروة ، فقد قام هذا النظام على مرتكزات ثلاثة، الإسلام والعروبة والحكم الوراثي (القبلي أو الطائفي أو العائلي)، ولم تعرف البلدان العربية طوال معظم تاريخها مفاهيم مثل المواطنة والمشاركة السياسية والاقتصادية، ناهيك عن أنظمة الحكم الحديثة القائمة على الديمقراطية وفصل السلطات والتمثيل الشعبي ومحاسبة الحكومات. وعلى عكس الدولة في الغرب التي نجحت بعد حروب وتطاحن على مدى قرون في التحول إلى دولة قومية، دمجت الأجناس والطوائف بداخلها، فإن الدولة العربية التي لم تر النور إلا حديثاً، لم يتسن لها ذلك، وحافظت على طابعها ألفسيفسائي. وما إن جاء عهد الاستقلال، وبداية تشكل الدولة الوطنية حتى انتقلت إليها مجموعة الأقليات، ككتل اجتماعية بامتداداتها التاريخية والثقافية.

وكانت اسئلة الدراسة المركزية تدور حول: ما هو حجم مشكلة الأقليات في العالم العربي؟ ولماذا يعرض النظام العربي عن الاعتراف بهذه المشكلة ولا يبادر إلى حلها بنفسه بدلاً من تركها تتسع إلى نطاق لا يستطيع السيطرة عليها فيه؟ وهل يصلح نموذج “الفدرالية” في بعض الأقطار العربية، لا سيما ذات التنوع القومي والطائفي كالعراق ؟

أساليب التعامل مع الأقليات

واكدت الدراسة انه من الطبيعي أن تبدأ في البحث عن حلول لمشكلتها، شأنها في ذلك شأن باقي أطراف المجتمع المحرومة.

وقالت ان تعامل الأنظمة العربية عموما مع مطالب الأقليات اتسم بأشكال غاية في التنوع جمعت إلى جانب القسوة والحزم أساليب التذويب والدمج الإجباري، ومنها القمع الداخلي على أيدي الأنظمة التسلطية بمختلف درجاتها، وأساليب تغيير التركيبة السكانية لزعزعة نفوذ الإثنيات الأخرى .

واشارت الى ان كثير من الحكومات العربية ترى أن الاعتراف السياسي بالأقليات وما يترتب عليه من حقوق وواجبات، يستهدف تقسيم الدولة والمجتمع، كما يعرضها إلى مطالبات قد تمس سيادتها، مثل الحكم الذاتي وتقرير المصير وما شابه، ولهذا وضعت هذه الحكومات مشكلة الأقليات ضمن القضايا المهددة للأمن القومي، واعتبرتها، في الكثير من الأحيان، محاولة من جانب القوى الخارجية للنيل من سيادة الدولة .

واستشهدت الدراسة بالعديد من نماذج الشعوب المتحدة في دول للتعايش مع بعضها ومنها الولايات المتحدة الامريكية والهند وكندا.

وركزت الدراسة على الحالة العراقية فرأت ان الحل في العراق هو فدرالي، مشيرة الى ان بلدا يحوي على 33 مليونا حسب تقديرات الحكومة العراقية لعام 2013 نموذجا مصغرا للشرق الأوسط الكبير حيث يتميز بتعدد دياناته وقومياته وطوائف ساكنيه منذ القدم.

وقالت إن أغلبية عربية لغة وثقافة تصل إلى حوالي75 %، وتوجد إلى جانبها أقلية لغوية- ثقافية رئيسية هي الأكراد الذين يشكلون 20% ، حسب تقديرات عام 2012 ونسبة ضئيلة من التركمان والكلدو آشوريين والإيرانيين والأرمن لا يتجاوزون 5% .

اما من حيث الدين، هناك أغلبية مسلمة تتراوح بين 92 إلى 95 في المائة من إجمالي السكان، توجد إلى جانبها أقليات مسيحية معظمها أيضا أقليات لغوية تصل إلى حوالي 4 في المائة، وجيوب ضئيلة من الأيزيديين والصابئة واليهود تصل في مجموعها إلى حوالي 3 في المائة. لكن بين المسلمين وهم الأغلبية الساحقة نجد مجموعتين مذهبيتين، متمايزتين في الحجم وهما الشيعة حوالي 50-55 في المائة والسنة حوالي 40-45 في المائة.

وتتابع الدراسة، هناك اذاً ثلاثة مستويات تحكم التعددية الاثنية في العراق، اللغة، الثقافة، الدين، ومستوى المذهب الإسلامي، على مستويين منهما هناك أغلبية ساحقة ومجموعة أقليات، وهما مستويا اللغة والدين. أما المستوى الثالث- وهو المستوى الإسلامي المذهبي – فهنا توجد أيضا (أغلبية شيعة وأقلية السنة).

واشارت الدراسة الى ان هذه التشكيلة الفريدة من التنوع الديني والطائفي والقومي، أضفت على المجتمع العراقي من جهة غنى وحيوية ثقافية واجتماعية، لكنها من جهة أخرى جعلت من الصعب توحيد هذا المجتمع ضمن أنماط كلاسيكية من العلاقات، مثل تلك التي كانت سائدة في باقي الدولة العربية.

وبذلك اكدت ان قيام عراق فيدرالي سيكون مستقراً على الأرجح إذا لجأ العرب الذين يشكلون نحو% 80 من سكان العراق إلى تشكيل أكثرية وطنية متماسكة، وفي حال انقسام العرب، على أساس شيعي – سني، فإنّ قيام اتحاد عراقي فيدرالي يظل أمراً ممكناً إذا نجح في إرساء ممارسات قوية لاقتسام السلطة بين الجماعات الكردية والعربية ضمن الحكومة الفيدرالية، بما في ذلك القضاء والإدارة المدنية والجيش والشرطة ، وستعزز فرص النجاح إذا نشأ الاتحاد بدافع داخلي جراء اتفاق يجري التوصل اليه بين قادة جميع هذه الفئات.

واشارت الى ان وجود نظام فيدرالي غير مركزي في العراق يمكن أن يشمل وجود حكومة منتخبة وطنية تتولى مسؤوليات وطنية كالصحة والدفاع وإنتاج النفط والنقل وغير ذلك… وتتمتع بضوابط مختلفة، خاصةً سيطرة المدنيين على القوات المسلحة، وحكومة إقليمية منتخبة ديمقراطياً تحل محل المحافظات الثماني عشر الحالية، ووجود دستور يخصص للمحافظات حصص العائدات النفطية الوطنية دونما قيد.

وتابعت إنّ تقاسم السلطة بحماية دستور في دولة فيدرالية من شأنه أن يخدم الشعب تماماً. مشيرة الى ان وجود نظام رئاسي قوي يُنظر إليه على أنه جزء من الحل.

كما قالت إنّ خيار وجود نظام مركزي وفيدرالي رئاسي له حسناته، فالعراق بحاجة الى حكومة مركزية قوية تستعيد القانون والنظام وتدير العائدات النفطية الوطنية وتقدّم الخدمات للمواطنين كالصحة والتعليم والنقل وتحافظ على وجود دولة موحدة.

إن من بين الأفكار التي تطفو على السطح في العراق هو أن المحافظات قد لا تملك القدرة على القيام بمسؤولياتها كاملة في ظل نظام فيدرالي لا مركزي وبالتالي فإن على بغداد أن تحتفظ بسلطاتها المالية المركزية تسهيلاً لعملية الانتقال.

ولكن هذه لا تعدو أن تكون مجرد حجة زائفة، فضلا عن أن الوزارات المركزية ووسطاء السلطة يمكن لا أن يستخدموها مراراً وتكراراً لمقاومة اللامركزية الفعلية لعدة سنوات، لذلك فإن الأمل الوحيد هو أن يتضمن الدستور الجديد بندا ينص صراحة على اللامركزية المالية في حكم الأقاليم.(فياض، 2002)

وأخيرا نوهت الدراسة ان اقتسام المال والسلطة الانتخابية ضمن دستور فيدرالي مركزي من شأنهما أن يساعدا في خلق ثقافة ديمقراطية تُقر بالتنوع بين الجماعات المحلية العراقية وتؤسس عليه، وإنّ هذا التوزيع للسلطة والمال يقللان من أية احتمالات لارتكاب إساءات مستقبلية في ظل سلطة وطنية مركزية قوية في بغداد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.