لم تمت ‘صباح’!
لم تمُتْ “صباح” حتى ساعة كتابة هذا المقال. ولن تموتَ حتى لو تقاعدتُ عن الكتابة، ليس نكاية فيَّ، فأنا، صاحبُ القلب الكهل، إنْ لم أكنْ مغرماً بفنِّها الذي ما يزالُ يحافظ على شبابه، فإنَّني على قناعتي الصلبة بأنَّ موتَ أيَّ إنسانٍ يهزُّ ثقتي بهذه الحياة، ويجعل كذبتها عصية أكثر على التصديق. لنْ تموتَ “الصبوحة” نكاية بمَنْ يطلقونَ إشاعات وفاتها كلَّ ثلاثة أشهر، لتهيئة الظروف لأصحاب الدم الثقيل بتأليف “النكات” المجرَّدة من الحسِّ الإنسانيِّ، التي تتفكه على بقاء إنسانٍ حياً لمجرد بلوغه ستة وثمانين عاماً؛ وهو سنٌّ بمقدور قطعة قماش أن تبلغه ببعض الخروقات والتجاعيد!
ولدت “جانيت جرجس الفغالي”، في العام السابع من العقد الثاني من القرن الماضي: قد يبدو ذلك الوقتُ بعيداً، مثلما يوحي إيقاع الياء مع الخاء في مفردة التاريخ، أيْ قبلَ ضياعِ فلسطين بعشرين عاماً، وقبل استقلال أيِّ دولة عربية بثلاثين عاماً، ولدتْ “صباح” على وجه الدقة قبل أنْ يصبحَ الزمن “زمان”، لكن بتفكيرٍ متخفِّفٍ من الفكاهة يصبحُ ذلك الوقتُ قريباً، أقربَ من ذكرى تزيدُ على نحو شديد البطء كلَّ عامٍ؛ ببساطة مركَّبة، يمكن القول إن شكلَ الأرقام فقط قد تغيَّر!
ستعيشُ “الشحرورة” الحياة “القصيرة”، كما ينبغي أنْ تُعاش، فتتزوَّجُ ستَّ زيجات قصار، وزواج سابع نصف كاثوليكي، من سبعة عشر عاماً قمرياً، وسيظلُّ الزواج الثامن إشاعة موسميَّة كلما ذهبت إلى “الحلاَّق” لاستعادة تسريحة “الفرس”، أو أجرتْ عملية سلسة لإخفاء الزمن أو تأخيره أغنيتين، وقد تطولُ حياتها كفيلم سينمائي في “موسم العز”، فتكون “ستّ الكل” التي تستقلُّ كلَّ “دواليب الهوى”، إلى “شهر عسل” كلّ عام، حتى تزدادَ أعوامها “الهجرية”!
ولم تمتْ “صباح” حتى ساعة كتابة هذا المقال. لكنَّ بقاءَ سيِّدة تبتكر كلَّ عامٍ أسبابها الغامضة لإطالة العمر، على قيد الدنيا، بأمل مثابر أنْ تتمَّ حياتها حتى آخر الأمنيات، عند الخطِّ الوهميِّ لمائة وعشرين عاماً، لا يستدعي أن يتلبَّد الفضاء الافتراضيِّ كلَّ موسم مفتعل، بالدم الثقيل، والنكات التي تسخر من أسمى نضال تمارسه البشرية:”حبُّ الحياة ما استطاعت إليها سبيلا”.
أتخيَّلُ بعد عُمْر، آمل أنْ يطولَ كثيراً، إذا كفَّت “صباح” عن الصحو لتفقُّدِ زينتها، سيخرجُ الافتراضيون من العتمة إلى الأضواء الإلكترونية، يمزجون الصورَ ويركبونها على عبارات ساخرة من إنسانةٍ ارتكبتْ لا إرادياً ذنباً من الذنوب التي تستعصي على الغفران: فأخطأتها الحروب العمياء بعد النسخة العالمية الأولى، والأمراض العصية التي استجدَّت بعد الطاعون، وحوادث القطارات الغبية بين “القاهرة” و”الصعيد”، وأخطاء “التلقيح” القاتلة، ودعاء الأمّ من وراء القلب. في السادسة والثمانين “صباح” الآن، وما تزالُ تمارس خطيئتها الكبيرة؛ تفادت سببَ الوفاة الوحيد: “وجع الحياة”!
سيلومني كائنٌ افتراضيٌّ: “كان أجدى لو تقطَّعَ قلبُكَ على أطفال الغوطة”، وتقرعني كائنة شفافة: “توقيت الكتابة خاطئ. لو انتظرتَ حتى تنخفض أسعار القمح والسكر وراحة البال”، وتخاصِمُني امرأةٌ نبيلةٌ:”أهانت عليكَ حياتنا.. شقاء وموت لأسباب واهية”. يا أصدقائي نحن/ أنتم/ وهم، نسخرُ من مثابرة “صباح” على الصحو صباحاً، لأنَّ أول النقوش في علومنا، أنَّ الموتَ انتصارٌ على الحياة، وأنه بديلٌ “عمليٌّ” عن “المذلة”، وطريقته المُثلى “وقوفاً كالأشجار”. اجتهدنا، نحن/ أنتم/ هم، في تعقيد الحياة، بينما هي عاشتها “ع البساطة”!
الغد

