صحيفة الكترونية اردنية شاملة

أكثر من مجرد كاسحات ثلوج

0

الإشارات الواضحة التي يمكن التقاطها بوصول الآليات الثقيلة لإزالة الثلوج كمساعدة إماراتية للأردن يمكن قراءتها على مستويات أعمق، وهو ما يساعدنا على فهم التحالفات الاستراتيجية التي استطاع جلالة الملك عبد الله الثاني خلقها بصورة فاعلة ومؤثرة، فالعلاقات الاستراتيجية بين الأردن ودولة الإمارات العربية المتحدة نقلت التعاون بين الدولتين وعلى مستوى القيادة إلى مستويات جديدة من التعاون العربي الذي لا يقوم على أسس تكتيكية مرحلية بل على أسس استراتيجية طويلة المدى، فالقيادتان في كلتا الدولتين تدركان التحديات الكبرى التي تواجهها المنطقة، وعدد المخططات والسيناريوهات المطروحة كحلول ممكنة للإشكاليات العالقة فيها.

واستطاع الأردن والإمارات على إيجاد تقاطعات مؤثرة في الرؤى بحيث ولدت هذه الحالة من التقارب حالة تحالف نوعي بين الدولتين على مستوى الرؤية الكبرى أو حتى على المستويات الأخرى، واستطاعا في وقت بروز الهويات الفرعية داخل عدد كبير من الدول العربية السير في الاتجاه المعاكس وخلق حالة من التعاون والتشابك، بحيث يصبح من الممكن تطويره مستقبلاً وتعميمه كنموذج فعال للتشارك العربي.
وتطبيقاً لذلك ظهر التحالف الأردني الإماراتي كمثال للتوحد العربي، فإذا كان ما تفعله الفوضى الخلاقة هو إلغاء الهويات الكبرى الجامعة، وإعلاء الهويات الفرعية المفرقة، واستخدامها لإحداث الخلاف والفرقة، عبر تغذية أحقاد وضغائن تاريخية يتم تصفيتها بأسلحة متطورة وحديثة لتتحول الهوية من مفهوم يجمع إلى مفهوم يفرق وهو ما يمكن تسميته بحالة الهويات القاتلة فإنه لا بد من الرجوع إلى الهوية الجامعة والتي هي في هذه الحالة الهوية القومية العربية، هذه الهوية التي يجد فيها الجميع فرصته على اختلاف عرقه أو دينه أو مذهبه الطائفي، بحيث تصبح هذه الاختلافات روافد إثراء بتنوعها لنهر العروبة المتدفق، وليست حدود اقتتال ودم.
وكان لهذا التحلف مساره الضروري لصهره في بوتقة واحدة، فكانت الأحداث التي عصفت بالمنطقة وهددتها ضرورية وكافية في آن معاً كي تحدث هذا الرابط الاستراتيجي بين الدولتين، فكانت المقاربات العقلانية الأردنية الإماراتية لأحداث المنطقة مؤثرة وأحدثت فارقاً، فمع التأكيد على حق الشعوب في نيل حريتها إلا أنه في ذات الوقت تم التأكيد على ضرورة الحفاظ على لحمة الشعوب وعدم تقسيم الأرض ورفض تدمير بنى الدولة، وإذا كان هذا يقع في الإطار التكتيكي فإن التحالف الأردني الإماراتي يدرك على المستوى الاستراتيجي أن الأفكار القديمة ليست بالضرورة أفكاراً بالية بل ربما هي أفكار سبقت أوانها للظهور فلم تجد من يطبقها بصورتها المثلى، ولذا فإن نفض الغبار عن هذه الأفكار سيعيد لها بريقها وألقها من جديد، وستكون هي بوابتنا للخروج من هذه الفوضى المدمرة.
ومع تلاقي الروح العظيمة في كلتا الدولتين (الأردن والإمارات) وامتلاكهما لمشروع قومي يستند إلى تجارب وطنية تحترم الإنسان وتحافظ على حقوق المرأة استطاع هذا التحالف أن يشكل نقطة انطلاق لإيجاد محور عريض من الدول العربية التي تدرك أهمية نهوض مشروع عروبي يحول العرب من ساحة تتنافس عليها القوى الإقليمية إلى قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في حسابات المنطقة.
الصورة الأردنية الإماراتية جميلة ويمكن قراءة استمرار تطورها للوصول إلى آفاق جديدة لم يفكر بها العقل السياسي العربي الذي ظل مرهوناً لشكل محدد من الوحدة لا يمكن تحقيقه، أو الصراعات القائمة على القطرية أو الهويات الضيقة، يبدو أن العقلية السياسية في مراكز القرار الأردني الإماراتي قادرة على تقديم شكل جديد من العلاقات والتحالفات السياسية التي لم تشهدها المنطقة العربية، والايام القادمة ستقدم الجواب.

الرأي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.