صحيفة الكترونية اردنية شاملة

أهي مراسم الطلاق؟!

0

تمثّل فصول المواجهة السياسية الجديدة بين رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وبين جماعة فتح الله كولن؛ العالم التركي المشهور، والمقيم حالياً في ولاية بنسلفانيا الأميركية، أخطر تحدٍّ وأصعب امتحان يمرّ به أردوغان، الذي أصبح أيقونة الإسلاميين المعاصرين، بعدما استطاع بدهائه تحجيم سلطة العسكر وسطوتهم في الحياة السياسية التركية، وكسر الحلقة المفرغة ما بين التيار المحافظ المتدين العريض في المجتمع التركي من جهة، والتمكين السياسي والديمقراطي من جهة أخرى!

الفصل الجديد في المواجهة بين كولن وأردوغان يتمثل اليوم في الاعتقالات التي قامت بها الأجهزة الأمنية المختصة بمكافحة الفساد والجريمة المنظمة، وطاولت قرابة 52 شخصاً بينهم أبناء بعض أهم الوزراء في حكومة أردوغان، وشخصيات بيروقراطية وقيادات في الحزب، فيما يعتقد أنّها فضيحة فساد كبرى. وكانت المفاجأة الكبرى أنّ الاعتقالات جرت بعد تحقيقات استمرت لمدّة عام من دون علم الحكومة، ولا وزير الداخلية المسؤول عن الأجهزة الأمنية؛ إذ إنّ ابنه أحد هؤلاء المعتقلين!
بالطبع، مثل هذه القضية من المفترض أنّها تعكس نزاهة قيادة الأجهزة المختصة واستقلاليتها؛ إذ لم تخضع لضغوط المسؤولين، وأجرت التحقيقات بعيداً عنهم. إلاّ أنّ حكومة أردوغان نظرت إلى الوجه الآخر من القضية، بوصفها حلقة أخرى من حلقات الصراع مع فتح الله كولن، ومؤامرة تهدف إلى تحطيم سمعة الحكومة والحزب عشية الانتخابات البلدية، ما دفع بأردوغان إلى الإطاحة بقيادات هذه الأجهزة (المحسوبين، كما تقول التقارير، على جماعة كولن)، ونقلهم إلى مواقع هامشية. فيما يرجّح خبراء أن يُجري أردوغان تعديلاً حكومياً يُخرج به الوزراء المرتبطين بالقضية، لإنقاذ سمعة الحزب في الانتخابات المقبلة، وللتأكيد على الجدية في التحقيقات المرتبطة بهذه القضية.
قبل ذلك، كان أردوغان يوجّه ضربة غير مسبوقة لكولن وجماعته، عندما قرر إجبار آلاف المدارس التي تدار عبر أبناء الجماعة الإسلاميين، على الخضوع للإدارة الحكومية وربطها بمناهج التعليم الرسمية، وعدم الاقتصار على العلوم الدينية، بدعوى أنّ طلبة هذه المدارس ضعفاء في المجالات الأكاديمية الأخرى، بما لا يؤهلهم لدخول الجامعات الحكومية، والمنافسة في سوق العمل.
مثل هذه الخطوة المزعجة جداً لجماعة كولن، جاءت في سياق تراكم الغضب المتبادل بين الرجلين. إذ كان كولن وجّه انتقادات قاسية لأردوغان فيما يتعلّق بحادثة سفينة مرمرة المعروفة، منحازاً لموقف إسرائيل ضد أردوغان، وانتقاده لتوجه حكومة أردوغان بخطوات أكبر نحو الحرية الدينية، والفصل بين الذكور والإناث في المساكن الجامعية!
في المحصّلة، ما كان بالأمس ضربات تحت الحزام، ورسائل إنذار وتحذير بين الرجلين، أصبح اليوم ملاكمة في العلن، ونزالا أمام الجمهور. ما يعني أنّ إمكانية العودة إلى وراء، وإلى الاحتضان الدافئ من تيار كولن المتشعب والأخطبوطي الممتد في أحشاء المجتمع والاقتصاد والإعلام، لحزب أردوغان، قد أصبح أكثر صعوبة، وربما بات من الممكن فعلاً أن تنقلب هذه الجماعة النافذة على الحزب في الانتخابات المقبلة!
من الملاحظ أنّ انتقادات كولن لأردوغان تنسجم مع المواقف الغربية والإسرائيلية؛ سواء ما يتعلق بالموقف من إسرائيل أو تكسير حلقات العلمانية الصلبة القاسية. وهي تتزامن مع بروز مؤشرات على عدم ارتياح غربي وأميركي وإسرائيلي وعربي لإظهار أردوغان توجهاته الإسلامية، ودعم رفاق الدعوة في كل من مصر وتونس وسورية، ونجاحه في رفع أداء الاقتصاد التركي إلى مستوى غير مسبوق.
بالتأكيد، يمتلك أردوغان أوراقاً لمواجهة كولن. لكنّ المواجهة إن تعمّقت ستكون أصعب امتحان لرئيس الوزراء؛ لأنّها على أرضه وبين جمهوره، ومن تيار يمتلك قاعدة عميقة وقوية. فإن لم تطح هذه المواجهة تماماً بالحزب، فإنها ستوجه إليه ضربات مؤلمة!

الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.