‘نسيت أتزوَّج’!
سألَ صحفي مجتهد “محمَّد طمَّليه”، عن السرِّ “الغريب” وراء عدم زواجه. استهلكتْ ديباجة السؤال فقرة سوداء بالحبر الكثيف، حتى بدت على ورق الجريدة مثل غيمة كحلية، لكنَّ الكاتب الساخر، المعروف بتقشفه في الكلام، ردّ بكلمة واحدةٍ: “نسيتْ”. كان وقتها رداً ساخراً، فذاعَ في “عمَّان” مداعبةً خفيفةً درَّتْ ضحكاً صاخباً. حدثَ هذا قبل عشرة أعوام؛ عندما كان النسيان نعمة!
و”محمَّد”، ليس “طمليه”، هو الآن كائن من “الديجتال”، يمكنُ توفره على ثلاث شبكات للتواصل الاجتماعي في أوقات متزامنة، وله اسم حقيقي، وآخر يرتديه حين يختفي، وثالث يخلعه إذا عاد، وله هاتفٌ ذكي للحديث العصري، وآخر غبي لتلقي المكالمات الروتينية، وله ما ليس له، “عشرين ألف امرأة” صريحة على “فيسبوك” ومتخيَّلة على “تويتر”، وبهيئاتهنَّ الخاضعة للتجميل الإلكترونيِّ على “انستغرام”، وعندما تسأله فتاة تخطَّت الثلاثين بخطوتين عن السرِّ “العجيب” لعزوبيته يرسل لها أحرفاً لاتينية لا لبس فيها، متراصة بنطقٍ عربي صحيح: “nseet”!
لم يكتب “محمد طمليه”، حرفاً واحداً على الآلة الكاتبة، وكانت كلمة “إيميل” توحي له بـ”النمليَّة”، والمحادثة الكتابية المباشرة حبٌّ يلائم ذوي الإعاقة، فقد توفي أيامَ كان التواصل الاجتماعي لا يحدث سوى “فيس تو فيس”. كان يبدو في منتصف العقد الأول من الألفية الأولى، كائناً أنتيكياً من زمن الخمسينيات، يحمل “الريموت كنترول” من “الجبيهة” حتى “المدينة الرياضية”، في جيب بنطاله الجينز، على أنه “الموبايل”. أحبَّ قليلاً، امرأة واحدة كانت تكفيه، وحبٌّ واحدٌ يكفي لرواية لم يكتبها، أما خبراته في الزواج، فقد اكتسبها مما وردَ في مقالاته على لسان “أبوالعبد”!
وأكثر ما يخشاه “محمد” ليس “طمليه”، أنْ يصبحَ في يومٍ تعيسٍ “أبوالعبد” ولديه بالضرورة امرأةٌ سمينة يُداريها في البيت، ويذكرها بالنكات أمام أصدقائه العزَّاب بصيغة “الجماعة”، ويخافُ “محمَّد”، أن تُردَّ إليه الحجارة التي رماها في شبابه المبكِّر: إغواؤه لزوجة الجارِ الطيِّب، حبُّه لكلِّ امرأة ليست على يمينه، أنْ يكتبَ قصيدة ركيكة لزميلته المنفصلة في وصف “أجمل الحلال”، ويفزعُ “محمد” مثل أيِّ كائنٍ “فيسبوكيّ”، من تعطُّل خدمة “واتساب”، وملاحقة سنِّ الزواج، فقد كان قبل أثر من ثلجة لا بدَّ أنْ يحدث قبل الثلاثين بشتاء، والآن كلُّ أحلامه “الافتراضية”، أنْ تتأخَّر مراهقته إلى الخامسة والثلاثين، وإنْ امتدَّت حبوب الشباب حتى الأربعين!
وأنا لستُ “محمداً”، ولستُ “طمليه” كذلك، قد لا أكونُ سوى هاتفٍ محدودِ الذكاءِ، وزرٍّ بلا مهمة واضحة في “الريموت كنترول”، ما زالت كما كتبتُ قبل أربع “ثلجات” من هذا الشتاء، كـ”الألف بعد واو الجماعة”، لديَّ أسبابي غير المقنعة، للبقاء مفرداً مثل سرير في غرفة فندقية على بحر وحيد. لم يطرأ أيُّ جديد على خانتي الاجتماعية، ما زلتُ كما كتبتُ هنا، في هذه الزاوية الضيقة قبل كذا شتاء: “أنا عانس؛ ولديَّ ساعة فسيولوجية تهرول إلى الأمام بلا تلكؤ، فلا تسألوني بعد اليوم عن تاريخ ميلادي”!
وأكابرُ “أنا عانس” مثل “محمد”، وأجيبُ عن الأسئلة الصحفية المجتهدة مستعيناً بمجاز “محمد طمليه”: “نسيت”، والنسيان كما تعلمون “نعمة”، و”هذا من فضل ربِّي”، و”الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه”، و”أنْ لا آتي أبداً”، خيرٌ من أقف أمام المحكمة، كما وقف مرَّة “محمود درويش” ليواجه سؤال القاضي المكرور: “ما سبب الطلاق”، بإجابة شعرية لا تحتمل التأويلَ: “الزواج”!
الغد

