صحيفة الكترونية اردنية شاملة

هذه العرفانية الكاذبة

0

ليس ابعد في الضلالة ولا اوغل في الغرور من رجل يطلق احكاماً مطلقة على وقائع سياسية لا يتبين لها اسباباً ولا حيثيات ولا عقابيل فهو يخبط في احكامه خبط عشواء، تحركه المصلحة او الهوى او المذهبية، ولا يعبأ ان يقال له، قبل مضي اربع وعشرين ساعة على توكيداته «لقد كذبتك الوقائع المستجدة، وعصفت بما كنت رأيت»، ولا يعجزه ان يدعي انه مطلع على ما يصدق اقواله من حقائق خفية لا يعلمها الا المقربون من مراكز القرار او من بؤر القوى المتصارعة او من راسمي الخطط (السيناريوهات) البعيدة والقريبة.
ولما كانت هذه «ظاهرة» تتجاوز الافراد، او بلاء عاماً يستغرق الغالبية العظمى من وسائل الاعلام في العالم العربي، فقد دخلت امتنا في مرحلة «العرفانية السياسية» التي يُسلّم فيها للكتبة العارفين بقدرتهم المعجبة على كشف المخبأ من فنون السياسة وألاعيبها، وببالغ ما سُخّر لهم من اضواء كاشفة او انوار مؤصدة على الضمائر والعقول.
ان هذه «العرفانية السياسية» التي مكن لها في الاعلام تمكيناً هي بعض ما يجرّ وعي الامة الى ذهول ذاهل عما يُراد بها، اضافة الى عوامل اخرى لا يتصور انها احتشدت اتفاقاً.
ثم ان غيبة المنطق السديد والعقل الرشيد في بنى كثير من الحكومات والاحزاب والجماعات، قد امدّ هذه العرفانية الاعلامية السياسية بأسباب البقاء، وجعل من يتولون كبرها ومنهم من اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم، واذا تكلموا تعجبك اقوالهم – في مثل انتفاخة الفقاعة من التنفج، وان كان تنفجاً سرعان ما يتهاوى ويتبين هزاله ويسوء مآله.
على ان تعلّق هذه العرفانية الاعلامية بالسطحي والآني ووشيك الزوال، لا يمتد بخطرها من جيل الى جيل، ويحصر اذاها فيمن تستغرقهم «اوهام المرح» في مرحلة بعينها، ويعود بها، لدى ادنى انتباهة وعي، الى مظانها من امراض النفوس وادواء العقول، او الى العاب اللاعبين وائتمارات المؤتمرين..
ويظل لنا ان نقول بأن العرفان الكاذب افتك بالناس من الجهل وابعد في تضليلهم اثراً، ونحن منهما مجتمعين في مهرجان صاخب وفي عذاب واصب.
الرأي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.