صحيفة الكترونية اردنية شاملة

التجارة العالمية تجاهد لشق طريق ضمن رمال متحركة

0

هذه صورة لآلاف الناقلات البحرية التي تعبر المحيط في كل يوم – وفق متابعتها هذا الأسبوع بواسطة التطبيق ”مارين ترافيك” الذي يكلف 2.49 جنيهاً – تُشير إلى أن التجارة العالمية بالنقل البحري مفعمة بالصحة والحيوية. ولكن هذه الصورة تخفي وراءها غموضاً إحصائياً، وهي الصورة التي يرى البعض أنها تحذير حول مستقبل العولمة. من المتوقع أن تنمو التجارة العالمية هذه السنة وللسنة الثانية على التوالي، وسيكون هذا النمو قريباً من أو أقل من الناتج الاقتصادي العالمي، وهذا شيء غريب.

نمت التجارة العالمية في العقود الثلاثة الماضية بشكل منتظم، بضعف معدل الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

حتى مع الأخذ بأثر الأزمة المالية العالمية التي حدثت في عام 2008، والتقلص المذهل في التجارة العالمية بنسب وصلت إلى خانتين، توسعت التجارة في البضائع والخدمات بنسبة 7 في المائة سنوياً في المتوسط، خلال الفترة من 1980 إلى 2011، وذلك حسب منظمة التجارة العالمية. وحسب أرقام صندوق النقد الدولي، توسع الاقتصاد العالمي في الفترة نفسها بمعدل 3.4 في المائة في السنة.

منذ ذلك الحين، بقيت هذه الأرقام متباطئة بصورة واضحة. في هذه السنة يُتوقع أن تنمو التجارة بنسبة 2.5 في المائة فقط، مقارنة بنسبة 2.9 في المائة من الدخل المحلي الإجمالي. وفي عام 2012 توسعت التجارة العالمية بنسبة 2 في المائة فقط. تشير توقعات كل من منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي إلى نمو التجارة العالمية في السنة المقبلة بنسبة 4.5 في المائة، مقابل نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.6 في المائة.

أشعل هذا الاختلاف التاريخي بين التجارة والنمو، الذي تراوح نسبته بين 1و2 في المائة، نقاشاً بين الاقتصاديين، حول ما إذا كان هذا ظاهرة عابرة أم انعطافة هيكلية أساسية في الاقتصاد العالمي. قال الاقتصادي جافين دافيس أخيراً في مدونة خاصة بـ ”فاينانشيال تايمز”، إنه عندما تضيق الفجوة بين الناتج المحلي الإجمالي والنمو التجاري، عادة ما يكون ذلك نذيراً بالشؤم: ”يبدو أن واحداً من المحركات الأساسية الكامنة خلف نمو الاقتصاد العالمي في العقود الماضية وتوسيع التجارة العالمية، قد فقد سحره بصورة كاملة”.

جذبت تعليقاته رداً سريعاً من بول كروجمان، الحائز على جائزة نوبل وكاتب العمود الصحافي في ”نيويورك تايمز”، وكانت وجهة نظره إيجابية إزاء المطروح، حيث قال نعم، كانت العلاقة بين التجارة والناتج متغيرة، في الوقت الذي كانت فيه كثير من العوامل التي دفعت العولمة في العقود الثلاثة الماضية: ”تتراجع في المشهد الخلفي للمرآة”.

ولكن ليس هذا بالضرورة مدعاة للخوف: ”كل نمو تجاري دائم نسبة إلى الناتج لا يُعتبر قانوناً طبيعياً، إنه شيء يحدث نتيجة للسياسات وتقنيات الأجيال الأخيرة الماضية”.

يندر أن تسير التجارة والنمو في الناتج جنباً إلى جنب وبشكل متقارب. ولكن أن يحدث ذلك في سنتين متتاليتين فهذا أمر شديد الندرة. لم يحدث ذلك منذ أوائل الثمانينيات.

منذ الثورة الصناعية، الفترة الممتدة الوحيدة التي نمت فيها التجارة بنسبة تقل عن نسبة الناتج المحلي الإجمالي في العالم، كانت 1913 – 1950، وهي الفترة التي أطلق عليها البعض تعبير عصر ”تراجُع العولمة”، الذي يتميز بتراجع التجارة العالمية والاستثمارات بين البلدان (لا تنس الحربين).

يجادل كثيرون بأن التجارة لا مجال أمامها إلا الانتعاش، والاتجاه نحو المقاييس المتعارف عليها في عالمنا المعولم الذي تعتمد فيه الشركات متعددة الجنسيات، على شبكات واردات عالمية.

توقع بنك إتش إس بي سي هذا الشهر نمو التجارة العالمية بنسبة 8 في المائة في المتوسط لغاية 2030، وأن الفضل في ذلك سيعود في جزء كبير منه إلى الزيادة في الإنفاق على البنية التحتية، في أسواق البلدان النامية مثل الهند. وصفت ”مايرسك”، أكبر شركة خطوط بحرية لشحن الحاويات في العالم، بالحضيض دورة التجارة العالمية، عندما توقعت الشهر الماضي نمو الطلب العالمي على الحاويات بنسبة تراوح بين 4-6 في المائة في عامي 2014 و2015.

المفاوضات التجارية الإقليمية منحت أيضا وزناً للحجة القائلة إن للتجارة القدرة على استعادة ديناميكياتها السابقة. وتنوي الولايات المتحدة وقبل نهاية هذه السنة، إبرام اتفاقية حوض الباسيفيكي مع اليابان و10 بلدان أخرى، تُشكل نحو ثُلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

كما أن بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يُناقشون عقد اتفاق أكبر من ذلك. ويأمل وزراء التجارة في دول منظمة التجارة العالمية التي يبلغ عددها 160 دولة، في توقيع اتفاقية في كانون الأول (ديسمبر)، لإلغاء التعقيدات البيروقراطية الحدودية في أنحاء العالم، وإعادة بعض الحياة إلى جولة الدوحة المتوقفة منذ فترة طويلة.

باتريك لو، الذي كان حتى آب (أغسطس) كبير الاقتصاديين في منظمة التجارة العالمية، وهو الآن زميل كبير في مؤسسة فونج جلوبال إنستيتيوت في هونج كونج، من الذين يعتقدون أن الكثير من خمول التجارة العالمية في السنتين الماضيتين، نتج عن ثقل الكساد في منطقة اليورو. ويعتقد أيضاً أنه عندما تعود الأمور إلى حالتها الطبيعية في الاقتصاد العالمي، ستستأنف التجارة مسارها السابق مرة أخرى، قائلاً: ”يمكنك أن ترى هذ النمط الواضح” عبر التاريخ.

ومع ذلك، فإن هنالك الكثيرون ممن يغلب عليهم الظن بأن التجارة العالمية غيرت اتجاهها نحو أرض غير مكتشفة. يرى جورج ماجنوس، المستشار الاقتصادي الأول في بنك يو بي إس، أن إحساساً واسعاً بالإعياء يضرب العالم، حيث: ”يلوح بصورة كبيرة، ظهور مشاكل اقتصادية هيكلية”، وحيث ”اختفت” القيادة السياسية.

كتب في تقرير له نشره حديثاً يقول إن هناك علامات كثيرة على أنه في حين أن العولمة ”كبيرة”، إلا أنها ليست على درجة من الكبر يحول دون تفشل. وجادل بأن الآثار التي أعقبت الأزمة المالية التي نشبت في عام 2008، أسهمت في نشوء الحالة المؤدية إلى تراجع العولمة. فشِل الاستثمار المباشر الأجنبي حول العالم، كما أنه ليس من الصعب رؤية العلامات الدالة على زيادة حذر المستثمرين الأجانب، من ممارسة أعمال في أماكن مثل الصين. تجنّب العالم حتى الآن الاندفاع نحو السياسات الحمائية التي ميزت الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي. ولكن لا يزال ماجنوس من بين أولئك الذين يشيرون إلى الزيادة المستمرة في الإجراءات الحمائية ”السرية” منذ عام 2008، مستشهداً بأنه: ”لو كان ذلك ضمن فترة عابرة في التجارة العالمية فحسب، لن أكون منزعجاً لمثل هذه الدرجة. على أن هناك الكثير من البيانات الكثيرة الأخرى، التي تشير إلى أن شيئاً أكثر غرابةً، يجري الآن”.

بعض التغيرات الهيكلية في الاقتصاد العالمي واضحة للعيان: لقد أصبحت الخدمات في التجارة الدولية المقدرة بمبلغ أربعة تريليونات دولار في السنة، أحد المكونات متزايدة القيمة في التجارة العالمية.

وهناك نقطة أساسية، ألا وهي الارتفاع المستمر في تكلفة العمالة في الصين، في الوقت الذي تصعد فيه أعلى ”سلسلة القيمة”، وهو ما ينطوي على ابتعادها عما كانت عليه ميزتها التنافسية، وهي الميزة التي تعتمد على التصنيع الكثيف بأيدٍ ومهارات متدنيّة. كما أن قدوم طباعة ثلاثية الأبعاد وابتكارات أخرى تؤذن بقدوم ثورة أخرى في التصنيع. كل ذلك يُبعد التجارة عن نموذج التجميع الأجنبي قليل التكلفة للمنتجات الصناعية. كما يجري الآن فحص الافتراضات التي سادت لفترة طويلة حول حتمية تقدم العولمة.

يشير ماجنوس وآخرون إلى أن ما يمكن أن يساعد على تفسير الكثير مما حدث للتجارة العالمية في السنوات الأخيرة، هو تراجع الصادرات من منطقة اليورو بسبب الكساد الذي أصابها، مضيفاً: ”هذا واحد فحسب من الكثير من المؤثرات التي تزيد من ضعف طلب الصين وآسيا ومنتجي السلع من الغرب، ثم إعادتها مرة أخرى”.

بالنسبة للوقت الحاضر تبدو الصين، وكأنها تمكنت من إدارة بطء نموها الاقتصادي، الذي بلغ حسب التقارير التي نشر الأسبوع الماضي 7.8 في المائة. ما زالت هناك إمكانية فشل بكين في تحقيق أهدافها المرجوّة، من خلال معركتها الرامية لإعادة التوازن لاقتصادها، بإبعاده عن النموذج المعتمد على الاستثمار – والتصدير – لكي تصبح أكثر اعتماداً على الاستهلاك المحلي. أكثر من ذلك، شهدت كل من البرازيل والهند وإندونيسيا والمكسيك ودول أخرى تراجعاً في اقتصادها العام الماضي.

يقول ماجنوس إن النتيجة هي أن ”الفكرة الرائجة في الفترة الأخيرة” التي تقول إن الاقتصاديات الناشئة انفصلت عن أسواق التصدير الغنية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ومن شأنها أن تصبح ”مصدراً جديداً مستقلاً للنمو في الاقتصاد العالمي، وهي فكرة أصبحت مبتذلة الآن”.

يمكن القول حتى بصورة أكثر عمومية، إن كل المحركات الكبيرة للنمو التجاري في العقود الأخيرة – كل شيء من انخفاض تكلفة النقل وقدوم الإنترنت ونهاية الحرب الباردة وصعود الاقتصاديات الناشئة – استُنزِفت واستُهلِكت من خلال النظام.

عندما أمعن الاقتصاديون وخبراء الإحصاء النظر في المستقبل، ضمن التقرير السنوي لمنظمة التجارة العالمية الذي صدر في تموز (يوليو)، جادلوا بأن نهاية هذه الاتجاهات العامة في الاقتصاد الكلي، تعني أنه من غير المرجح أن تواصل النسبة بين نمو التجارة العالمية إلى الناتج المحلي الإجمالي، تكرار المضاعفة مرتين ”في الوقت الذي يتراجع فيه أثر الأزمة المالية”.

واستنتجوا أن الكثير من العوامل التي حرّكت نمو التجارة في العقود الثلاثة الأخيرة، جرى ”استغلالها” مثل مورد معدني ناضب. ويقدم الدليل على ذلك، كولمان ني، خبير الإحصاءات في منظمة التجارة العالمية، وهو من معدي التقرير بقوله إنه في هذه الأيام لو عادت الفجوة، من المرجح أن يكون المضاعف قريباً من 1.5، ومن المرجح أن تقل الفجوة أكثر في السنوات المقبلة.

ونظراً لهذه الخلفية، هناك مشكلة سياسية حقيقية جداً، تتعلق بتحديد من سيقدم الحُجة لصالح العولمة في هذه الأيام؟ وهل ما زالت هناك القدرة على إقناع الناس بها؟ في تموز (يوليو) قدم كل من أرفيند سوبرانيان ومارتن كيسلر من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي ورقة بعنوان: ”مستقبل العولمة المفرطة في التجارة” أبديا فيها رأييهما بأن العالم واجه نوعين من التحديات المهمة، لمجرد استدامة الأمر الواقع في العولمة.

الأول هو: المحافظة على مساندة العولمة في الولايات المتحدة والبلدان المتقدمة الأخرى. وقالا إن آفاق النمو الضعيفة في الأمد المتوسط، والضغوط المالية المتصاعدة، وعقودا من جمود الأجور في هذه البلدان، لم تكن ”أكثر الظروف المناسبة لاستدامة العولمة”.

الثاني هو: ضمان أن الصين – التي هي الآن أكبر أمة تجارية في العالم، من حيث التجارة السلعية – مستمرة في الإصلاح، وتفتح أسواقها للعالم الخارجي. النبأ السار، كما يقولان، هو أن ”الحاجات المحلية للصين، هي بصورة رحبة رغبات الآخرين”. لكن جهود الإصلاح في الصين يمكن مع ذلك أن تتعثر، وإذا حدث هذا، فإن ”العولمة ستدفع الثمن”، ولربما كان باهظاً.

من المقرر أن يظل التحدي الأول باقياً لسنوات في الوقت الذي يستمر فيه الزعماء في واشنطن والعواصم الأوروبية، في نضالهم لإعادة الحياة إلى الاقتصاد في بلدانهم بعد الأزمة المالية. الجواب الجزئي على التحدي الثاني يمكن أن يأتي عاجلاً، حين يجتمع قادة الصين للنظر في المزيد من الإصلاحات الاقتصادية، في الاجتماع العام الثالث في الشهر المقبل.

مع ذلك يظل ماجنوس يشعر بالقلق، قائلاً: ”من دون رعاية سياسية قوية، العولمة معرّضة تماماً للتعثر أو حتى الرجوع إلى الخلف”. ويقول إنه لا الولايات المتحدة ولا الصين تبدوان راغبتين أو قادرتين على تقديم هذه الرعاية.

كل هذا يذكرنا بساحر أوز، كما يقول ماجنوس. حين اختار تعليقاً يلحقه بتقريره الأسبوع الماضي، استخدم ملاحظة دوروثي حول إحساسها حين وجدت نفسها في عالم مجهول: حين يتعلق الأمر بالعولمة: ”لدي شعور بأننا لم نعد في بلادنا”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.