نشأة الكون في نهج البلاغة
تضمن «نهج البلاغة» المجموع من خُطَب الإمام علي كرّم الله وجهه وأقواله أول «تصور علمي» إسلامي لنشأة الكون، وهو تصوّر قرآني في اطاره العام، وان كانت «عبقرية الإمام» هي التي بسطت لنا تفاصيله على نحو معجب نستدل منه على البدايات الواثقة للتجريبية العلمية في الإسلام.
نجد هذا التصور موزعاً في مواضع عدة من الكتاب الذي جمعه الشريف الرضيّ. وهي واردة فيه، بحسب استقرائنا، على النحو التالي: (وذلك في طبعة مؤسسة المعارف، بيروت 2004):
أولاً: في خطبته في «ابتداء خلق السماء والأرض وآدم (ص53).
ثانياً: في خطبته في «بديع خلق الخفاش» (ص243).
ثالثاً: في خُطبته المُسمّاة «خطبة الأشباح المتضمنة كلامه في «صفة السماء» وفي «صفة الأرض ودحوها على الماء» (ص 156).
رابعاً: في خطبته التي يذكر فيها «عجائب خلقة الطاووس» ص(256).
خامساً: في خطبته التي يذكر فيها «عجائب خلق السماوات والأرض» ص(276).
سادساً: فيما قاله من كلام له «في صفة عجيب خلق أصناف من الحيوانات: النملةُ والنخلة والجراد والطير» ص(282).
سابعاً: في خطبته المتضمنة كلامه في المشهد الطبيعي: الماء واليَبَسِ والأطواد» ص(319).
ونحن لا نعدم إشارات أخرى حول المشهد الكوني في الكتاب؛ إلاّ أن ما استقرأناه واثبتناه آنفاً كان في ملتي واعتقادي، هو أول نظر علمي في اطار القرآن الكريم عرفه تاريخنا. ولعل كثيراً من الأنظار العلمية التي شهدتها حضارة الإسلام أن تكون صدرت من مشكاة القرآن أيضاً. ومن تسديده للهاجس المعرفي الإنساني إلى التدبر في خلق السماوات والأرض. الأمر الذي يلزم المشتغلين بتراثنا العلمي إلى كفّ غلواء دعاوى التأثر باليونان أو بغيرهم من الأُمم، وإلى وضع هذا التأثر في سياقه المعقول، ورهنه بالهاجس العلمي الذي نرى مثلاً معجباً له في رؤية الإمام عليّ ذات المصدر القرآني المؤكد.
إن قصارى ما نتوخاه مما تقدم أن ننبه اذهان الدارسين إلى أول نص إسلامي وإنساني في نشأة الكون وفي عجائب المخلوقات، ولعل أستاذاً كريماً ممن يشرفون على الرسائل العلمية الجامعية ان يوجه واحداً ما نابهة طلابه الى دراسة هذا النص، ثم الى تتبع اثره في اجيال علماء المسلمين المتتابعة منذ خطب الامام خُطبه المشار اليها الى اخر من خطب او كتب في نشأة الكون وعجائب الخَلْق، عرباً كانوا أو مسلمين أو أي أحدٍ من العالمين.
الرأي

