الاعيان.. ضوابط التشكيلة الجديدة
قيل أن تشكيلة مجلس الاعيان التي أعلن عنها مؤخرا كانت محكومة بضوابط سياسية وجغرافية واجتماعية منها المبادرة الاردنية للبناء “زمزم”.
وقيل أيضا أن تعبير السلطة برضاها عن مشهد رئيس الوزراء الاسبق عبدالرؤوف الروابدة وهو يجلس على منصة الاحتفاء باطلاق زمزم كان بعد أقل من اسبوعين عن تشكيلة “الأعيان”.
لكن هل هذا الحديث دقيق؟ هل ترسم الدولة سياسة مستقبلها المنظور في سياق مكافآة من هذا الحجم؟ هل تجامل الدولة في سياساتها، خاصة الاستراتيجية منها؟
إذاً ما هي الرسالة التي على النخب السياسية فهمها من بروز وجوه “المرحلة المقبلة” التي عبرت عنها تشكيلة الاعيان؟
إن من بين أهم المعطيات التي تقرأ النخب الاردنية من خلالها شكل المستقبل المنظور للسياسة الأردنية هي “تقديم وتأخير” وجوه الدولة وسياسييها، سواء في الحكومة او الاعيان او النواب.
نحن اليوم – إذاً – أمام شخصيات محافظة عرف عنها مناطحتها العنيدة لمطالب الاصلاح في الاردن.. فماذا يعني ذلك؟
ربما الآن من السهل التكّهن بما تفكر به الدولة من حيث سياستها الداخلية إذا ما انتبه المراقب على ثلاثة مشاهد برزت في الساحة المحلية تباعا:
1- سياسة اعتقال نشطاء الحراك
2- تشكيلة الاعيان
3- وجهة الاعلام الرسمي.
لقد فاجأت التشكيلة الجميع، وهي تعلن عن أسمائها: الجميع من دون استثناء سأل: ماذا تريد الدولة قوله بهذه التشكيلة، وهي تدير عجلة قيادتها نحو وجوه حقبة ما قبل المطالبات “بالإصلاح” هذه المطالبات التي سبقت “الربيع العربي” بأكثر من عام.
أولى الملاحظات كانت في إقصاء الشخصيات الاسلامية، حتى تلك المقربة من الدولة والمحسوبة عليها مثل المراقب العام لجماعة الاخوان المسلمين عبدالمجيد ذنيبات، والسفير السابق بسام العموش والدكتور عبدالله العكايلة، بل وإقصاء قيادات إصلاحية مقربة حتى لمبادرة زمزم؟ فهل انتهى دورهم؟ أم انه بدأ .. إذا ما اعتبرنا “الاعيان” – عدا الرئيس – مجلس الشخصيات السياسية التي يراد لها ان تسكن في عتمة الاحداث. هل سنراهم في الحكومة المقبلة؟ ام في مجلس النواب الجديد؟
بالنسبة للمشهد كان يراه (سياسيون من خارج علبة الدولة) فإن وجود طاهر المصري كان ضروريا. فمجرد وجوده في الواجهة كان يعبر عن ارتياح نفسي مطلوب للمعارضة السياسية، بعد أن تمكن بنجاح من جعل نفسه وسيطا مقبولا بين المحافظين والاصلاحيين.
وذات الحديث يمكن ان ينسحب على شخصية مثل السياسي المخضرم الدكتور ممدوح العبادي، الذي يعتبر من الشخصيات السياسية المناكفة للمعارضة لكنها ايضا الودودة تجاهها. وهو ما يعني بالضرورة سيطرة خطاب التيار المحافظ بالمطلق على المرحلة المقبلة، خاصة مع عودة شخصيات كانت في السابق مثل صالح قلاب وغيره.
إن كل من تفوه بكلمة خير عن الإصلاح استبعد، وكل من كان وسيطا في حقبة الربيع الاردني بين فئتين “المحافظين” و”الاصلاحيين” استبعد ايضا. بل إن “فلترة” المشهد كانت أعمق من ذلك.. حتى الشخصيات الليبرالية المعتدلة جرى غربلتها.
لكن لم يحدث هذا وحسب. فاستبعاد شخصيات مثل طاهر المصري وممدوح العبادي لم يخلفه شخصيات يراد لها ان تلعب ذات الدور، بل إن من ملء فراغ مقاعدهم هي شخصيات تتبنى مواقف سياسية بالضد من مواقفهم وهذا ما يدعو الى القلق. فأنت لا تستبعد الشخصيات التوافقية فقط بل قمت باحلال شخصيات على النقيض منهم ايضا وكأن المرحلة المقبلة تتطلب هذا الامر.
وحتى تلك الشخصيات اليسارية التي جلبت لن يكون معنى حضورها كافيا، خاصة مع وان المقاعد الـ 75 للمجلس بدلا من الـ 50 مقعدا.
الخلاصة هي: إذا كان الوقوف على أرضية كل هذه المعطيات دقيقا، فإننا أمام مرحلة ما قبل 1989م. وهنا يجب تنبيه من انساقوا بغير جدية للحديث عن الاصلاح بحكم “الموضة” أن يكفوا عن ذلك، لأن عين الدولة ستحمر أكثر مما هي عليه الآن.

