صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الألغاز في مسألة الحريات

0

هل امتلك الأردن، خلال العام الماضي، فرصة تحسين مكانة الحريات من دون أن ندفع ثمن ذلك من استقرارنا؟ وهل كان من المُجدي التخفيف من حدة التصعيد في التعامل مع بقايا الحراكات الشعبية؟ ولماذا تم القطع، في لحظة ما، مع سياسة احتواء الحراك، إلى التصعيد غير المبرر مع أفراد تحولوا الى ظاهرة سياسية؟ وهل قصة محكمة أمن الدولة بقرة مقدسة؛ كلما زُحزحت من جهة، عادت من جهة أخرى؟
قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة لحفظ ماء الوجه أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف؛ حيث تلقّت الحكومة الأردنية النصح والتوصيات من نيجيريا وصولا إلى السودان، كنا بحاجة إلى إجابات شافية ينتظرها الأردنيون.
يمكن اختصار الانتقادات التي وُجهت للأردن من أعضاء مجلس حقوق الإنسان في جنيف، في حزمتين: الأولى، تقليدية وتتكرر في كل مرة؛ إذ ما يزال التقدم والتراجع على الطريقة الأردنية المعهودة منذ مطلع التسعينيات: خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، في ملف الحريات الإعلامية، وملف إصلاح القضاء، وملف الحريات العامة في التجمع والتظاهر. صحيح أن هناك مبالغة في تقدير الموقف في بعض القضايا، فنحن نعرف كيف تُعِد تلك الدول الكبرى تقاريرها، وما هي مصادر السفارات في عمان حينما تشتغل على أحوال الحريات، لكن كل ذلك لا يبرر أنه لم يكن أمام الدولة الأردنية فرص حقيقية لتحسين صورتها، وقبل ذلك إقناع المواطن الأردني بأن مسار الحرية يتقدم ولا يتراجع.
الحزمة الثانية من الانتقادات التي وُجهت لأوضاع حقوق الإنسان في الأردن، تشمل ملفات جديدة، أهمها قضايا وحقوق العمالة الوافدة، وأوضاع اللاجئين السوريين، وقضايا التوقيف وأعمال التعذيب. فهي قضايا لم يألفها ملف حقوق الإنسان في الأردن سابقا.
ما يزال هناك فهم مشوّه للاستقرار، وما تزال المسطرة التقليدية هي التي تحدد مصادر التهديد. إذ علينا أن نلاحظ حجم التحولات التي شهدها الإعلام منذ مطلع التسعينيات إلى اليوم، وهل ما يزال التدفق الحر للمعلومات، وتوفير منابر للنقاش التعددي، وتمكين الإعلام من مقاومة الفساد ومن الرقابة، تعد أدوات لتهديد الاستقرار أم ضمانات حقيقية للاستقرار؟
إن اللغز في رفض التقدم في ملف الحرية الإعلامية طوال هذه السنوات، يشير إلى مقاومة تقليدية تجاوزها الزمن، ولا تدرك تماما ماذا يعني أن تكفل الدولة الحرية الإعلامية وأن تحرسها، وما دور ذلك في استقرار واستمرار النظم السياسية، وليس تهشيمها كما كان الأمر في السابق.
وعلى صعيد الإصلاح القضائي ومسألة محكمة أمن الدولة، فيبدو هنا لغز آخر يتمثل في قوة الرغبة في الاستحواذ. فالنموذج الذي تحتاجه دولة بسمات الأردن وإمكاناتها ومصادر تهديدها الفعلية، يحتاج أن يؤسس على سيادة مطلقة للقانون أكثر من أي اعتبار آخر، ما يتطلب مرفقا قضائيا يُبنى على أسس متينة. وعلينا الاعتراف بحجم الفجوة والفوات الذي شهده هذا المرفق خلال آخر عقدين.
اللغز الكبير الذي علينا تفكيكه في مسألة الحريات في الأردن هو أن فهمنا للاستقرار توقف عند حدود العام 1989؛ فمنذ ذلك الوقت لم نطور من أدواتنا في مواجهة التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية، إذ ما تزال الأدوات العتيقة هي ذاتها التي تحدد طرق التعامل مع التحولات والمفاجآت، وما تزال الذهنية ذاتها هي التي تحدد مصادر الاستقرار ومصادر التهديد؛ وهنا بيت القصيد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.