يحدث في ‘العالم الثالث’!
حين يفشل أكثر من ثلاثة أرباع السكان في بلدٍ ما في تدبر أمر ملابس العيد لأطفالهم؛ فلا تحدثني عن العلمانية واليسار الاجتماعي والدعاة الجدد، والوعي الذي سيقود التغيير.. حدثني فقط عن الجوع!
وحين تكون فرداً في مجتمع لا يجيد نصف سكانه كتابة أسمائهم، أو قراءة اليافطات الانتخابية، فلا تحدثني عن قانون الانتخاب أو هوايات “وزير التعليم العالي”! عليك أن تتجنب ما استطعت الحديث عن أحلام النخبة المثقفة، وجلسات العصف الذهني، وأمسيات المركز الثقافي الفرنسي، وعليك أن تنتبه: أنت ابن مجتمع تنهشه الأميّة، حتى لو كان نصف السكان قد أقاموا حفلات توقيع لكتبهم!
وحين يكون حجم جرائم الشرف الحقيقية ستة أضعاف ما تقرأ عنه في الصحف، فلا تتباهى كثيراً بهذا العدد الضخم من “مقاهي الأرجيلة”، وروادها من الفتيات القاصرات.. فهذا ينم عن قصورٍ ثقافي خطير، وعن شريحة هائلة من الشابّات والشباب المصابين بـ “الخمج الاجتماعي”!
حين تنتهي كل مباراة رياضية بتحطيم عشرين سيارة، وبخمسين نزيلاً في المستشفى، فدعك من تمثيلية السلم الأهلي، والوعي السائد، و(النضج الذي حققه مجتمعنا)، وعليك أن تراجع جيداً الأمراض المعدية والمتقيّحة التي يخفيها عنك “السيد المجتمع”!
وحين تصير فتاة تغطي خصلة شعر صغيرة في آخر الرأس بمنديل وتكشف كل الشَعر الأمامي وتلبس الجينز المشدود والبلوزة الضيقة، وتمارس كل أنواع الميوعة في الشارع “أشرف” من فتاة ناضجة ومهذبة ولكنها تكشف فقط تلك الخصلة الصغيرة، فعليك أن تراجع منظومة القيم المريضة التي توزع على الناس سراً من ورائك!
حين يصاب الشارع بهياج في كل أنواع مشاعره الشخصية والعائلية والوطنية والدينية والرياضية، ويحمل آلة حادّة للدفاع عن مطربه المفضَّل، فهذا ربما لأنه لم يتعلم منذ البدء ترتيب الأولويات!
حين يصرخ فيك سائق التاكسي، ثم يعتذر لك، ثم يخفي وجهه عن المرآة ويدمع، ثم يلقي عليك نكتة بذيئة وهو يقدم لك كأس القهوة البلاستيكي، على سبيل الاعتذار لك بطريقته.. فربما لأن لديه طفلتين جائعتين في البيت!
حين يصير كل فرد في الشارع مشروع مشكلة، وكل شخص جاهزا لشجار حادّ، والمدينة عصبية وتحرك كفّيها في وجهك مُهدِدَةً طيلة النهار كأنها زوجة أب.. وزوامير السيارات تلاحقك، والناس يركضون خلفك فربما صار عليك أن تهرب!

