الحكومة الالكترونية.. حالة أقرب للعقم
هناك مشاريع معينة تناولتها الحكومات الأردنية للتنفيذ ولكنها كانت تحتاج الى وقت يزيد عن سنتين او ثلاثة للانتهاء منها، فعندما تبدأ الحكاية بتوجيه ملكي وتضعها الحكومات على لائحة المواضيع التي ستنجز… فإنه وللأسف يبدأ معها مسلسل طويل من الإطالة أو التمديد أو التنفيذ، وتطول الامور اكثر اذا كان الانجاز يتطلب إشراك اكثر من وزارة او مؤسسة حكومية فيها حتى تكتمل.
للأسف، هناك مشروع هام تم طرحه في المملكة وبمبادرة وتوجيه ملكي ويمكن ان تكون له إنعكاسات هامة على كل المجتمع الاردني سياسياً واقتصادياً وبيئياً واجتماعياً وهو مشروع الحكومة الالكترونية الذي اطلق في العام 2001.
لقد أطلق مشروع الحكومة الالكترونية قبل 16 عشر عاما ولم يلمس المواطنون أثراً له بشكل ملحوظ، وشاهدنا وتابعنا وسمعنا مؤخرا عن مدى اهتمام جلالة الملك المعظم به وتوجيهه الحكومة لان تعمل عليه بشكل جدي، وأن يتم انجازه خلال فترة قريبة، وقد أسعدنا هذا التوجيه الملكي والاستعداد الحكومي لتلبيته، وقد هززنا رؤوسنا (أنا والمتابعين لهذا المشروع) لخوفنا من عدم تنفيذ التوجيه الملكي والرغبة الحكومية بطريقة منتجة.
ان ما رأيناه وتابعناه واستغربناه هو كيفية المعالجة لتطلعات جلالة الملك الهامة من قبل الحكومة، سواءا كانت من قبل هذه الحكومة أو كانت من قبل الحكومات السابقة. فالتجربة تقول ان ما تأخر تنفيذه لهذه الفترة الطويلة (16) عاما لا يمكن أن يتم إنجازه خلال فترة وجيزة، وخاصة إذا ما تم اتباع نفس الاساليب السابقة أو النهج لتحقيقها.
كما اننا لا نعتقد ان اتفاق الحكومة على تبني تحقيق 10خدمات حتى العام 2018 سيكفي لتحقيق هذه التطلعات والخدمات التي تعد الحكومة بتنفيذها لأنها قليلة العدد، اما التبرير لقلة عدد الخدمات التي ستطلقها الحكومة وهي 10 خدمات فقط بأننا لا يجب أن نعظم الامال (لا تكبّر حجرك اذا بدك تضرب) ليمثل دليلا واضحا على ضعف التطلع وتبسيط الاهداف حتى تتمكن الحكومة من الانجاز ولا تحاسب على طرح اهداف اكثر لانها قد لاتحققها (؟؟) في حين ان المطلوب هو أكبر من ذلك بكثير.
ما يؤسف له ويجب قوله بصراحة أمام الحكومة واتمنى أن يصل عبرها الى جلالة الملك المعظم، هو انني شاهدت عبر السنوات الطويلة لهذا المشروع حرصاً كبيرا على ان تاخذ وزارة المواصلات وتكنولوجيا المعلومات السمعةَ الطيبة من هذا المشروع، وللأسف كان جزءٌ من ذلك يتم عبر إلحاق خدمات موجودة لدى بعض المؤسسات بهذا المشروع، بل ويتجرأ المسؤولون في الوزارة بأن يكرروا (وامام جلالة الملك) بالاعلان عن نفس الخدمات التي قدمت سابقا بانها ستنفذ لاحقا وتم ذلك في مناسبات وسنوات مختلفة.
لقد افتقدنا قول الحقيقة في هذا المشروع، واذكر من أسباب تأخره لهذه الفترة الطويلة هو في أننا استسهلنا ادعاء الانجاز رغم عدم وجوده على ارض الواقع، وافتقدنا المعرفة الفنية بكيفية الانجاز لمثل هذه المشاريع، وتحدثت الحكومة عن معوقات واجهتها في هذا المشروع ( نأسف لان نذكرها) وكأن التحديات تخرج عن سيطرتها وكانت سببا في مرور 16 عاما مرّت وسار فيه المؤشر لانجاز الحكومة الالكترونية الى الخلف نزولاً بين دول العالم.
للاسف، افتقدنا أولويات أساسية يجب ان يتم الاسراع بأخذها حتى يصل الاردن الى مستوى تطلعات جلالة الملك في هذا الجانب، ولا أجد ان هذه الأساسيات قد تم التطرق لها حتى الان، ويدفعني ذلك للاعتقاد باننا سنكرّر نفس الاسلوب ونفس الاجراء الذي لا يوصل لشيء، وكأننا سنضع نموذجا لاستمرار حالة الانجاز البطيء في التنفيذ لهذا المشروع الهام والتي تصنف أمام إنجازات الخدمات بانها تصل إلى حالة العقم..
مشروع الحكومة الالكترونية مشروعٌ يهم المواطنين والوطن كله، وليس مشروعا تقنيا بحتا، بل إقتصادي وسياسي وخدماتي، ويرفع من سوية الإنجازات ويخفف شكوى المواطنين ويساعد في الاستثمارات وسيدفع الحكومة للنظر في إجراءاتها في كل الدوائر بما يعيد من هندستها وبالتالي يطور اعمالها وربما يكون له العديد من المكاسب الفرعية، وهو ليس مشروعا بنظري لحكومة واحدة نلوم فيه وزيراً يمكن ان يقصّر أو نمدحه لان جزءاً يسيراً منه قد نجح أو أُنجز، بل إننا نريد له ان يُنجز بقوة وبسرعة، وان يتحقق على ارض الواقع، ليس بالأمنيات فقط، ولا بالتمثيل أو بالادعاء بأنه يتحقق، ولا بـأن يتم الدفاع عن أسباب عدم إنجازه وتبريرها، ولدينا من الحقائق والخبرة ما يجعلنا نؤمن ونعتقد بصحة ما نقول، وطرحها او التحدث عنها لا يعني ابدا بأنني اهاجم الوزيرة النشيطة وهي وزيرة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ابدا، بل إنني أتطرق إلى نهجٍ يتم العمل به منذ إطلاق المشروع وللاسف لم يتغير هذا النهج ولا يبدو أن هناك نية لتغييره.
تطلعات جلالة الملك يتوجب تحقيقها خدمة للوطن والمواطنين وحرصا على سمعة المملكة وقدرة الاردن، والمواطنون يستحقون أن تصلهم الخدمات الحكومية أينما كانوا بدون أن نُهدر أو نُضيع 16 عاما أخرى لتحقيقها.

