دردشه عن فيلم بتوقيت القاهرة
فيلم روائي طويل من انتاج عام 2014 ، فبعيدا عن الدراما السياسية و مشاهد العنف و قصص التطرف الديني التي أصبحت معظم الإعمال الدرامية تتمحور حولها في هذه الايام يحمل لنا هذا الفلم الجميل و الرائع أجواء معتدلة عبر قصص ابطاله المتنوعة و المثيرة…و هو من بطولة أساطير في العالم الفني المصري مما أضفى قيمة كبيرة جدا عليه، فاشترك به (مع حفظ الألقاب) الراحل نور الشريف و مرفت أمين و سمير صبري، و شاركهم البطولة دره و فؤاد بيومي و أيتن عامر و كنده علوش مع باقة لامعة من النجوم المقتدرين،
يفتتح هذا الفلم مشاهده بصدمة يتلقاها يحي شكري مراد (نور الشريف)، و هو رجل كبير في السن يعاني من مرض الزهايمر، ففي المشهد الإفتتاحي يكون يحي في عيادة طبيبه حيث يخبره تفاصيل كثيرة عن مرضه الخطير. فيخبره بأن هذا المرض لن يمهله الكثير بالرغم من أن الطب لا يستطيع قياس تقدم المرض في ذهن المصاب به… ثم نشاهده بمشهد voice over مؤثر جدا و هو بمكتبه وحيدا يروي معاناته مع هذا المرض الكبير. فيحي قد ابتدأ بفقدان تواصله مع الماضي و الشخصيات التي احاطت به و لا يتذكر منهم إلا مشاعره نحوهم….الصور عبارة عن وجوه يحاول تذكر صلته بهم و لكن من دون فائدة فصلته الوحيدة بوجوه الماضي هي المشاعر اذا كان يحبهم او يكرههم. يحي رجل حزين بحياته فالمرض يحول حياته رويدا رويدا الى فوضى عارمة حيث نشاهد عدم ارتياح اهل بيته لسلوكه القهري نتيجة المرض…فنرى قلة انسانية مراد ابنه (عابد عناني) معه في المنزل و هو الرجل المتدين الذي من المفروض ان يكون عكس ذلك تماما. تأملت تصرفات مراد كثيرا مع والده…كيف انهال عليه بالصراخ و التجريح لان المرض غالبا كان يدفعه للخروج اثناء النهار و الليل من دون رقيب ليضيع بالشوارع مما كان يضطر اهل بيته للحاق به لإعادته الى المنزل….و كيف وبخه بقسوة على زجاجات المشروب الكحولي الذي كان يشربها و الذي كانت تملأ منزله بحجة انه مؤمن و ان هذا حرام دينيا. انها مشاهد درامية صادمة تعكس مدى قسوة البشر على بعض…فتدمع الاعين بمرارة بما قد يصيب الانسان من امراض في الشيخوخة…حينما نضعف امام اشتداد المرض علينا و نصبح تحت رحمة اولادنا او ممرضين اغراب عنا بعيدا عن دفئ الاسرة في المشافي…انها لحظات نحتاج بها الى من يسندنا كي نخفف من عبئ الحياة و ضغوطاتها على بعض…الانسانية مطلوبة مع الضعيف و المريض و قسوة القلب لا داعي لها خصوصا و ان يحي يتصرف من دون وعي و بصورة غير مسؤلة نتيجة المرض…فأظن ان مراد يستر قلة تهذيبه بالدين و يبرر قلة صبره مع والده باستيائه من زجاج المشروب…بل لمست به قلة القدرة على التضحية و السهر بالصبر الطيب على مرض ولده. هنالك فرق شاسع بين التدين و قلة التهذيب مع الوالدين…فطاعة الوالدين من الاوامر بكل الديانات السماوية التي لا تقبل النقاش لذلك اظن ان مراد انسان وقح من الداخل فلم يمارس الاخلاق الحميدة مع والده المريض اطلاقا…و اظنه مصاب بمرض التشدد حيث يحاول فرض شخصيته و الدين بالقوة على اهل بيته و بصورة جافة جدا تخلو من الانسانية و احترام حرية الآخر فحتى لم يسلم والده المريض من احكامه القاصية…مراد فئة من الناس موجوده بحياتنا و مع كل اسف لم يسلم اهل بيته من شر تعصبه الاعمى و قلة تهذيبه…فحتى يصدمنا الواقع المروي في المسلسل بقذارة اخلاقه حينما يصمم والده على معرفة صاحبة صورة فوتوغرافية بحوزته حيث يلهمه فؤاده للسفر الى القاهرة بحثا ورائها…فنراه يقوم بإبلاغ الشرطة للقبض عليه و كانه غريب عنه…لتتبلور امام الجمهور قدر القسوة التي قد يتحلى بها مراد تجاه والده…
لا نغرف الكثير عن يحي شكري مراد سوى ما يذكره لنا من خلال ذاكرته المشوشة و التي ينهكها المرض رويدا رويدا. و لكنه يبدو انه كان صاحب قلب حنون على اسرته و اولاده. فنراه يذكر بانه كان يحب زوجته المتوفية كثيرا بالرغم من انه لا يذكر شيئ عن ماضيه. و نراه حنون على ولديه حيث يتوضح هذا الامر من خلال علاقته القوية بأميره ابنته…فنراها تلازمه منذ اولى مشاهد الفلم الى ان قرر السفر الى القاهرة بحثا وراء صاحبة الصورة…حيث تقرر اللحاق به طيلة فترة السفر من شدة خوفها عليه؟! ولعها بوالدها و خوفها عليه يوحي بأنه كان حنون عليها كأب في نشأتها لذلك وجد منها في مرضه و في سنين كبره الحنان و العطف عليه… شتان بين الثرى و الثريا…و لكن للذي يتأمل رحلة يحي في هذا الفلم و كيف تحمل اخبار مرضه في عيادة الدكتور و كيف تحمل عنف ابنه معه بصبر و تروي و كيف قرر بين ليلة و ضحاها البحث عن صاحبة الصورة . فصعد بسيارته و سار بطريق السفر من بلدته نحو القاهرة…سيكتشف بأن هنالك رجل محارب و شجاع ذو معنوية عالية في داخله. فلا يفعل كل هذه الامور إلا رجل قوي و صلب…فحتى حينما تعطلت سيارته و طلب من حازم (شريف رمزي) ان يقله بسيارته الى القاهرة نرى محاولاته الدؤوبة ليبقى متماسك ريثما يصل الى القاهرة بالرغم من سفره بمفرده اساسا… فبكل المعاير و المقايس التي استندت عليها بتحليل شخصية يحي وصلت الى نتيجة حتمية لا ثاني لها…بأن الذي يمضي بقرار مثل الذي مضى به يحي هو رجل مغوار بكل معنى الكلمة…
ليلى السماحي (ميرفت امين) اسطورة من اساطير الفن المصري. لها ارشيف ضخم من الاعمال الدرامية و باع طويل بالمهنة. و تكون معتزلة عن مزاولة الفن اثناء مشاهد هذا الفلم الشيق. لها ولدين و تعيش بمفردها مع اولادها حيث تكون مخطوبة لرجل متشدد يجبرها على امر لم يكن بحسبانها اطلاقا. فترغمها هذه الظروف على الاتصال بفنان و زميل قديم لها بالمهنة اسمه سامح ميخائيل (سمير صبري). ليلى شخصية فنية كبيرة جدا في مصر و لها هيبتها و ارشيفها يتضمن اعمال متنوعة جدا تتضمن مناظر جريئة شأنها شأن اي فنانة كبيرة في مصر و العالم الغربي. و بحسب ما تبرر ليلى فإنها قبلت بها لأغراض الشهرة حيث ساهمت هذه الادوار برواج اسمها كفنانة بالوطن العربي. و لكن نراها بفترة اعتزالها للمهنة انسانة متدينة الحال ذات لباس يليق بسنها المتقدم…بعكس الفنان سامح تماما الذي يعيش على انقاض امجاد الماضي و يتمتع بعيشة سطحية تكاد ان تكون فارغة من اي جوهر حقيقي…فنراه روميو زمانه يسعى وراء علاقات المتعة المؤقتة مع النساء التي ترغب بدخول عالم الفن و التمثيل… يبدع بلعب لعبة المظاهر امام المنتيجين بالرغم من نجمه الذي يشارف على الانتهاء….فهذه تكون احواله حينما تقرر ليلى السماحي زيارته للحديث معه…
يستقبل سامح ليلى في منزله بصورة حسناء بالرغم من التوقيت الحرج لهذه الزيارة حيث يكون على وشك الدخول في مغامرة عاطفية كعادته مع صحفية شابة. لذلك تجبره زيارة ليلى على الاعتذار من عشيقته الجديدة وسط استيائه…فقد سلبته متعته السطحية الذي يهواها..لذلك نرى هذا اللقاء بين ليلى و سامح غير سار كليا خصوصا عندما يعلم عن سببه؟! نرى هنا ابداع الكاتب و المخرج امير رمسيس بهذا العمل حيث يسلط الضوء على احداث هذا العمل الذي تبتعد حبكته الرئيسية و حبكاته الثانوية عن ما يدور في الشارع العام في القاهرة من صراعات بين تيارات الاسلام السياسي و بين التيارات الاكثر اعتدالا في القاهرة…و تضم رواد و احزاب الاسلام الوسطي و التيارات اليسارية و الليبرالية و الشيوعية منها ايضا…و لكن يبقيها في الخلفية من خلال ما يطلبه مصطفى من ليلى السماحي…و من خلال الفيديو الذي تعطيه ليلى لسامح ليشاهده و الذي يفيد بأن الزواج بين الممثلين في الافلام قد يكون حقيقيا بوجود الشهود الذين هم عامة الناس في العمل و المشاهدين؟! و نرى هذا الخيط الرفيع موجود ايضا ضمن مشهد لوائل (كريم قاسم) حينمة يقرر الاجتماع بسلمى خطيبته (ايتن عامر)…فحينما يتحدث لصديقه الذي يكون جالس مع رفاق له في مقهى في القاهرة نرى حديث بسيط عن وقفة احتجاجية او مظاهرة…فالفيديو الذي يكون بحوزة ليلى و الحديث عن الوقفة الاحتجاجية هو زخرفة ادبية جميلة و ناجحة في خلفية هذا العمل لتعطيه نكهة معاصرة بأنه ينطلق من واقع مصري حتى و ان كان كاحداث و شخصيات من وحي خيال المؤلف.
في حقيقة الأمر السجال بين ليلى و سامح هو بسيط في جوهره. فكل ما تطلب ليلى من سامح هو ان يذهب معها الى مأذون شرعي ليطلقها. و يكون هذا طلب خطيبها مصطفى منها ليستطيع الزواج بها. فبحسب الفتوى التي بحوزة ليلى و هي لاحد الشيوخ فإن ليلى على ذمة سامح لأنها تزوجة منه في احد افلامها، في حقيقة الأمر هذه الفتوى موجودة و الناس التي تعتقد انها صحيحة هم بوفرة بالمجتمع العربي فأغلبية العناصر التي تعطي الزواج شرعيته موجودة بحسب هذه الفتوى…مأذون و شهود و رجل و امرأة تتوفر بقلوبهم الحب و الرغبة بالزواج…و لكن انا أظن ان من اطلق هذه الفتوى قد تسرع كثيرا بها…فمراسم الزواج تتم اساسا ضمن عملية تصوير لفلم او مسلسل درامي…اي انه جزء من خيال مؤلف يتم تمثيله عن طريق فنانين و فنانات لذلك كل العمل هو قطعة من وهم او خيال لا اكثر و لا اقل…و لا يحضر في العمل الفنان و الفنانة بصفته الشخصية اطلاقا…بل امام الكاميرا يكون اي فنان في العمل منغمس بتمثيل الدور الدرامي الذي يقدمه… و هذه بديهيات تنطبق على كافة اعمال الدراما (افلام و مسلسلات و مسرح) و اي عمل يمتهن الفنان به مهنة التمثيل…لذلك لأي فنان تعد هذه الفتوى غير منطقية اطلاقا. الفن الدرامي هو عملية تقديم عمل امام الجمهور يتقمص به الفنان شخصية غير شخصيته الواقعية او الحقيقية و حتى و ان حضر بصفته الشخصية يعالج بأنه كان موجود ضمن عمل درامي و تنطبق عليه الشروط و الاحكام تبعا لأي عمى درامي يتم تقديمه لذلك رفض سامح هذه الفتوى قلبا و قالبا لأنه كفنان مخصرم كان يمثل تمثيل بهذه الافلام. فحضوره شخصيا الى المأذون و طلبه الطلاق من ليلى بما انه تزوجها بفلم سيعرضه للسخرية من قبل الرأي العام….
تصر ليلى بطلبها كثيرا من سامح تحت ضغط خطيبها و لكن لتلاقي الرفض و السخرية منه. و يحدث هنا نقاش بين ليلى و سامح لي تعليق عليه. فشخصيا ككاتب و ناقد فني و درامي لم يعحبني تصريحات ليلى السماحي لسامح بشأن قبولها لادوار الإغراء بهدف الشهرة فقط…و اتجرأ بكتابة هذا النقد لأن شخصية ليلى كانت تدل على شخصية سعادة الفنانة مرفت امين بصورة غير مباشرة بالعمل الدرامي الذي نحن نناقشه بهذه المقالة…فآمل ان تتقبل مني سعادة الفنانة مرفت هذا النقد اذا وصلها في يوم من الايام…و مع الأسف كان لبعض الفنانات في مصر قبل ثورة 30 يونيو نفس التصريح عن ادوار الإغراء التي قدموها باعمالهم في السينما بأنها لاهداف الشهرة فقط…ارجوكم لا تقوموا بهذه التصريحات اطلاقا لأن الهدف من الادوار الدرامية ليست الشهرة فقط او المال فقط…و لكن الهدف من الادوار الدرامية هو ان نقدم عمل ثمين نثري به السينما العربية و المصرية و ان نقدم موهبتنا كفنانين امام الرأي العام و الجمهور…و في ضمن العمل اذا اقتضت الحاجة لمناظر اغراء هذا وارد و يتعلق بصورة مباشرة بأجواء العمل و بطبيعة المشهد المراد تصويره و بروح العمل لكي يتم تقديم الشخصية بصورة كاملة و مقنعة للناس و لكي نساعد العمل ببلوغ ذروة راقية من المهنية و الروعة الدرامية و الاتقان و لكي يترك التأثير المطلوب على المشاهد…لذلك حينما تختزل فنانة قبولها لادوار الاغراء لهدف الشهرة تلغي اية مهنية من ارشيفها الفني لان الهدف من التمثيل يصبح الشهرة و ليس المساهمة باثراء الحركة الدرامية…لا نستطيع انتزاع مشاهد الجرأة من اي عمل درامي لانها لحظات تساعد في بلورة ملامح الشخصية في العمل و تصبح جزء لا يتجزء من هذه الشخصية …لأن الفنان في العمل الدرامي يقدم شخصية انسانية لها عواطف و احاسيس…تحب و تكره…و تعبر عن مشاعرها مثلها مثل اي انسان يتنفس بيننا و يعيش بيننا…و المخرج في عملية الاخراج يستخدم جسد الممثل لتتجسد الشخصية بواسطته امام الناس و المشاهدين…لتصبح واقع ملموس امام الكاميرا لذلك يتفاعل الناس مع العمل الدرامي و الشخصية التي امامهم على الكاميرا بكل سهولة…الممثل وسيط يقدم هذه الشخصية امام الكاميرا بواسطة جسده و ذاته الانساية لذلك اكرر بأن الممثل غير حاضر بصفته الشخصية بأي عمل درامي…
لهذه الاسباب سخر سامح من ليلى حينما طلبت منه الطلاق و لم يقتنع بالفيديو الذي قدمته له…فلو افترضنا جدلا ان هنالك مائة و خمسون فيلم في رصيد فنان من الفنانين و تزوج بمشاهد مختلفة في هذه الافلام من عشرين فنانة مختلفة بما ان الفنان قد يشاركه بطولة افلامه عدد كبير من الفنانات…فهل يعني ان الفنان متزوج من العشرين فنانة ؟ تبادل سامح و ليلى وجهات النظر كثيرا في هذا الموضوع الذي لم يسفر عن شيئ سوى وعود كذابة من سامح بأنه سيذهب معها الى المأذون لينفذ طلبها، و بعد وليمة طعام اتضح لليلى بعدها انها لن تنال اكثر من توصيلة من سامح الى بيتها…
بين سفر يحي الجريئ الى القاهرة سعيا وراء صاحبة الصورة التي بحوزته ليحاول تذكر ولو اسم واحد من عشرات الوجوه التي اصبحت مشوشة المعالم في ذهنه بسبب مرضه الكبير…و بين سجال سامح و ليلى الذي كان اشبه بالنقاش البيزنطي بسبب الفتاوي الغير منطقية التي امطرت سماء المواطن المصري بالقاهرة في عهد الربيع العربي الاسود الذي مر بنا…قرر شاب و شابة في العشرينيات من العمر الاجتماع معا في شقة واحدة قديمة و مهملة غير مدركين انهما على وشك ارتكاب فعل طائش جدا و غير مسؤل…فبعد فترة خطبة طويلة لم ينجح بها وائل (كريم قاسم) و سلمى (ايتن عامر) بالزواج قررا فعل امر جريئ جدا بسبب يأسهما بالاجتماع معا بالحلال في ظروف الزفاف الطبيعية…فالحرام اصبح كالثمرة النضرة بأعينهما التي اعتقدا انها بمتناول اليد…و فجأة بعد ترتيبات بسيطة وجد وائل و سلمى انفسهم في منتصف شقة قديمة لصديق لهما حيث رغبا بممارسة الجنس. فظروف الخطبة الطويلة ولدت لديهم اليأس من امكانية الزواج بالرغم من الحب القوي الذي يجمع قلبيهما معا…فلحظات الرغبة العاطفية و اليأس معا ولدت في قلبيهما الرغبة لهذا الحرام العسلي التي تغمسه الشهوة في الكثير من الاحيان بشرعية الحب…و هذا ما كان يشعر به وائل تجاه سلمى…بأنه من حقه ممارسة الجنس معها لأنه عجز عن الزواج بها بعد فترة خطبة طويلة…فالحب بالنسبة اليه في هذه الظروف يكفي لهذا الاجتماع معا…
في حقيقة الأمر نرى هنا موقف متعقل جدا من سلمى مقابل اندفاع وائل نحو ممارسة الجنس..فبالرغم من مشاركة سلمى لقرار وائل بالقدوم الى الشقة إلا انها اكتشفت انها ليست بهذا الرخص اطلاقا…فالتفكير بالشيئ في الكثير من الاحيان امر و تطبيقه على ارض الواقع امر مختلف كليا خصوصا بقرارات مصيرية كالارتباط و العلاقات الغرامية…و هذا ما ردع سلمى عن الاشتراك بهذه الجريمة التي كادت ان تدفع ثمنها غاليا…فكانت جدا ذكية باعطاء نفسها فرصة كافية للتفكير قبل ان تأخذ هذا القرار لذلك كانت تفاجئ وائل باستيأها من نظافة الشقة و تشغله عنها بالطلب منه مساعدتها بتنظيفها…فمن الصالة الى غرفة الجلوس الى غرفة النوم ابدعت بالمماطلة الا ان واجهته بسؤال جعله يتأني اخيرا باخذ هذا القرار. فسألته و قالت له اذا وافقته على معاشرته و بعد هذا الأمر حصلت ظروف قهرية دفعته نحو الانفصال عنها. فماذا سيكون مصيرها…بل حتى واجهته بحقيقته بأن معاشرتها اصبح هاجسه الوحيد مما قد اخافها و جعل هذا الأمر صعبا عليها….سلمى انسانة واعية جدا للمسؤلية التي ستنتج عن تسليم ذاتها لوائل…
هنالك كثيرون مثل سلمى و وائل في مصر ينتظرون فرج الله عليهم ليجتمعوا في بيت الزوجية. و لكن الظروف المادية القاسية و طغيان الفقر و البطالة امور قهرية قد تمنع عنهم هذا الحلال الحسن…و كنت قد نوهت عن هذا الأمر في مقالتي “خواطر شخصية عن فلم الارهاب و الكباب” حيث نوهت عن امور عدة بصلب هذا الموضوع. و صدقا لن اكتفي بالتنويه عن هذا الأمر مرة واحدة…بل سأنوه عنه مليار مرة بأن الظروف المادية القاسية و الفقر و البطالة و اهمالهم من قبل الدولة دون حلول سيكون معبد ابليس في هذه الدنيا…لأن هذه الظروف ستدفع بالذي يعاني منها لارتكاب المعاصي لكي يشبع جوعه و ظمأه للرفاه…و سيرتكب معصية الزنى و غيرها من المعاصي لان الحلال مكلف في هذه الدنيا و البيوت لا تفتح بالمداخيل البسيطة…فنوعا ما تعاطفت مع وائل و سلمى الذين يمثلون شريحة واسعة من المخطوبين في مصر و في البلاد العربية عموما…صبر و انتظار على ربما مداخيل بسيطة لا تكفي اطلاقا الى ان فتكت بهما الرغبة اخيرا و اجبرتهم على جرأة قد لا تكون مقدرة في محتمعنا الشرقي…فمجتمعنا مع كل اسف لا يمانع بأن يبقى الشباب في مرحلة الخطبة لعدة سنوات ريثما يتم الزواج…و لكن الى متى قد يصبر الانسان على الظروف القهرية؟ و بالمقابل لا يجب ان تؤخذ كلماتي و تعاطفي مع سلمى و وائل كدعوة لضرب قيمنا الشرقية بعرض الحائط…بل بنهاية المطاف الصبر هو مفتاح الفرج و الذي يأتي بعد تعب و انتظار طعمه اجمل من الذي يأتي بالحرام…فمهما كان حرام الجسد لذيذ حلال الله الذي يأتي بعد الإلتزام ألذ من ثمر جنان الأرض…لأن الصواب و الحلال هو الذي يرضى عنه الله سبحانه…و لكن أتمنى ان يتعامل المجتمع بتفهم و صبر و طول اناة مع الذين قد يفضلوا المساكنة بسبب ظروفهم المادية…فمن منا بلا خطيئة فاليكن اول من يرمي سلمى و وائل و الذين مثلهم بحجر.
(شريف رمزي) حازم شاب يعمل موزع للحشيس في القاهرة. و نتعرف عليه في اولى مشاهد هذا العمل اثناء زيارته لرشا (كنده علوش) في شقتها حيث تشتري منه صنف من النخب الاول من الحشيش لاغراض التعاطي. تتمتع رشا بشخصية اجتماعية ودودة بعكس حازم الذي علمته مهنته و تعاطيه مع شىريحة واسعة من المجتمع ان يكون انسان عميق الشخصية رسمي الطباع غير اجتماعي الميول. لذلك حينما تحاول رشا في الفلم الاقتراب منه يقوم بصدها و يطلب منها عدم رفع الكلفة معه. و لكن اصرار رشا على الاقتراب منه تجبره على مسايرتها و الدخول معها بحديث ودي…فنكتشف عدة امور عن حازم من بينها عدم مصداقيته عن ظروفه الشخصية مع المجتمع المحيط به. فحتى الرواية التي اخبرها لرشا بأنه يتاجر بالممنوع لكسب المال لكي يصرف على علاج شقيقته المصابة بالسرطان لا نستطيع تصديقها…حازم شاب اعتاد على العيشة بين المتعاطين و تجار الصنف و الهروب من درب الشرطة و كمائن الأمن في الطرقات مما جعله ينغمس بحياة غير مستقرة…الى ان يلتقي يحي في طريق سفره الى القاهرة…فنتعرف على خصلة الخير التي به حينما يوافق على توصيل يحي بطريقه الى القاهرة…فنعلم بانه خلف روايات الكذب التي يخبرها للناس عن ظروفه الشخصية و خلف شخصية موزع السموم هنالك انسان نبيل في داخله…و كأن التقائه بيحي يحرك هذا النبل ليتكلم بداخله من جديد…
يترافق يحي و حازم في طريق سفرهم الى القاهرة. فبعد ان يطلب معلم كبير من حازم ايصال بعض من البضاعة الى الساحل يضطر حازم الى تلبية اوامره. و لكن في الطريق يلتقي بلجنة تفتيش مما يضطر حازم للتخلص من كمية الحشيش التي لديه…و لكن بعكس توقعاته يغصب المعلم منه و يرسل ورائه اثنين من رجاله ليحاسبوه على فعلته…وهو في طريق سفره لبيبع ما استطاع من بضاعة ليعوض التاجر نقوده يلتقي بيحي الذي تعاني سيارته من العطل الميكانيكي…فيعرض على يحي توصيله الى القاهرة…و في الطريق يحصل تعارف بين الاثنين يقوي علاقتهم ببعض…موزع للمخدرات فار من وجه تاجر للصنف و مريض بداء الزهايمر في طريق سفر للمجهول و الرابط الوحيد بينهم صاحبة صورة يبحث عنها يحي و فرصة نجاة ضئيلة لحازم من العصابة…و نرى يحي تارة يشكو لحازم عدم مقدرته تذكر الماضي اطلاقا و كيف ان امله هو ان يجد صاحبة الصورة ليستعيد معها جزء من ماضي يحاول تذكره بكل جوارحه من جديد …و تارة يحاكيه حازم باستعطاف لكي يخفف من عنائه الكبير…و تارة يفتح حازم قلبه لهذا الرجل الغريب عن الاسباب التي دفعته للاندماج بعاصابات تجارة الممنوع الخطيرة…انه طريق سفر طويل يحصل به ما لم يخطر على بال احد بين يحي و حازم لينتهي في القاهرة بعد فترة من الوقت و ليحمل قدر كل من هذه الشخصيات نهاية تناسب القرارات التي اخذها….فيصل حازم الى بيت ليبيعه الحشيش…و يشاء القدر ان يكون بيت سامح ميخائيل…و لكن يلاحظ حازم ان رجال التاجر الذي اضاع بضاعته تلاحقه. فيطلب من يحي من الخوف عليه ان يوصل البصاعة الى بيت سامح و ينتظره في داخله…فيدخل يحي بيت سامح و يتفاجئ بوجود صاحبة الصورة به لتنتهي معاناته بفرحة كببرة..و لكن يتشاجر حازم مع بلطجية التاجر حيث يتعرض للضرب المبرح في خارج اسوار منزل سامح…و الذي نفهمه من النهاية ان حازم توفي على يد البلطجية…فالذي يلعب بالنار ستحرقه بيوم من الايام و الذي يتعامل مع الزعران سيدفع الثمن عاجلا ام آجلا…بدون ادنى شك…
تترك ليلى السماحي مصطفى خطيبها. فبعد ان رفض سامح طلبها بطلاقها يلحق بها مصطفى الى منزل سامح و يتشاجر معها و مع سامح. فتعود ليلى وحيدة كما كانت لتنتهي معاناتها مع التعصب نهائيا. و سلمى و وائل يقررا الخوض في مشروع العشرة و الغزل…و لكن ليس قبل ان يعطيهم هذا الاختبار نضوج كبير لعلاقتهم و لأنفسهم. فأخيرا يخلق بهم اختبار خلوتهم في المنزل الوعي المطلوب و تتشجع ليلى لهذه الخطوة الحساسة عن قناعة و دراية…و يلتقي يحي بالامراة التي تعود الى حياته من الماضي بسبب الزهايمر و تتراقص الفرحة في عينيه من جديد بعد لقاءها…و كأن قدره اعطاه ما يريد قبل ان يقول المرض كلمته النهائية و يفارق الحياة…و تسدل الستار في هذا الفلم الرائع و قد قال القدر كلمته بحق كل الابطال ليبقى المشاهد باجواء روعة هذا الفلم حتى بعد مشاهده الختامية…

