صحيفة الكترونية اردنية شاملة

نصف دينار !!

لم أكن أملك سوى النصف دينار يومها، فالخمسون قرشاً كانت تكفي لرجوعي للمنزل فقد كنت أدفع خمسة عشر قرشاً في باص السلط / رغدان وعشرة قروش في باص رغدان/صالحية العابد، و يبقى معي (25 قرشاً للطوارئ)، وهكذا كانت النصف دينار تكفي يومياً لذهابي وإيابي للجامعة الأردنية، وكانت الخمس وعشرون قرشاً تبقى احتياطاً، ولكن ما حصل في ذلك اليوم جعل منه مطبوعاً في ذاكرتي.

فقد انتهى دوامنا الجامعي و تسابقنا لنعبر شارع الجامعة إلى الجهة الأخرى، لنتافس على ركوب ما تبقى من مقاعد فارغة في باصات السلط / رغدان كونها أسرع من باص الجامعة الأردنية (الكبير) والذي كان يستهلك أكثر من ساعة و نصف في رحلة العودة من الجامعة إلى مجمع الباصات ، كان الزحام شديدا جدا على الباصات و كان الجو بارداً و المطر يهطل بنعومة ، و بعد صراع مع المتنافسين على مقعد فارغ استطعت أنا و اثنين من أصدقائي ركوب الباص و كانت بقايا آثار الحرب تظهر على محيا كل منا.

وبمجرد أن ركبنا جاء كنترول الباص مسرعاً طالبا الأجرة ، فدفعت له نصف الدينار التي أملكها، فما كان من الكنترول إلا أن أعاد لي ( خمس قروش ) لاعتقاده بأنني سأدفع عن زملائي الآخرين ، أمسكت ما تبقى من أجرة ، و وضعتها في جيبي و سمعت أحد زملائي يقول لي …. 

ليش هيك يا محمد !!!!

الله يسامحك يا رجل !!!!

ليش تدفع عنا ما في داعي !!!

خلص أنا علي المرة الجاي 

هززت رأسي قائلا: عيب تحكي هيك .. مش مستاهلة .. “وغصة في القلب انعكست على ملامح وجهي”.

و جعلت أتخيل في كيفية إكمال رحلة العودة من رغدان إلى صالحية العابد ..وصلنا المحطة الأخيرة بالباص و نزلنا، ودعت أصدقائي و نظرت إلى باص صالحية العابد ، و كان أمامي خياران إما أن أركب الباص و أتعرض لموقف محرج كوني لا أملك الأجرة كاملة ، أو أن أذهب إلى البيت مشيا على الأقدام ! والمسافة تزيد عن الكيلومترات الست.

و هذا ما كان ، شحنت نفسي بطاقة ايجابية وسرت وسط الأجواء الشتويه الماطرة من مجمع رغدان القديم كما كان يسمى ، إلى منطقة صالحية العابد ، أسير قليلاً و أتوقف قليلاً عبثا أبحث عن أي شيء أسلي فيه نفسي ، أدندن تارة و أتأمل أخرى وأنا أسير و التعب يتسلل في كل مساماتي إلى أن وصلت منطقة المحطة و عنده جاء الفرج … و إذ بأحد الجيران ينادي :: محمد … محمد .. محمد …

– اركب … ياااا الله … من أين أتيت أنت لتنقذني …

-أشكرك … أشكرك 

-ما الذي أتى بك إلى هنا ……

-قصة طويلة يا جار ، ولكنك جئت في الوقت المناسب .

-نحن بالخدمة يا محمد 

-أشكرك 

مرت الأيام و أنا أتذكر هذه القصة لا أدري هل كان قراري صائبا في اختيار المشي أم أنه كان من الأحرى لي أن أركب الباص و أخبر السائق بقصتي !!!!

هل كان هذا القرار ضعف شخصية؟! أم عزة نفس!! وهل سأتخذ نفس القرار لو مررت بنفس الموقف الآن؟! حقيقة لا أعرف الإجابة؟!

التعليقات مغلقة.