المجزرة الكيماوية في خان شيخون السورية
بداية أعلم بأن مؤيدي بشار الأسد من الأردنيين، سيستلون أقلامهم للاعتراض أو لتكذيب ما يرد في هذا المقال. ولكنني رغم ذلك سأدلي برأيي وبما أومن به من حقائق على الأرض حول هذا الموضوع، بغض النظر عن أية آراء أو اجتهادات أخرى، ولكل مجتهد نصيب.
فالهجوم الجوي الذي وقع يوم الثلاثاء 5 / 4 / 2017 على مستودعات تضم مواد كيماوية سامة، في قرية خان شيخون السورية، وأودى بحياة 100 شخص وإصابة 400 آخرين من المدنيين بأضرار، بينهم نساء وشيوخ وأطفال أبرياء، هو أبشع صور الإجرام الذي يمارسه النظام السوري ضد شعبه. ومن المؤلم أن ينفِذ هذا الهجوم طيار سوري برتبة عقيد يقود طائرة حربية روسية من طراز سوخوي.
الأسلحة الكيماوية معظمها تكون على شكل مواد سائلة تخزن في أوعية كبيرة أو صغيرة على شكل براميل أو قنابل وصواريخ، تتحول إلى غازات سامة وتنتشر على مناطق واسعة، بفعل حرارة الجو وشدة الرياح. فتدخل البيوت والأنفاق والكهوف وتلوث البيئة، فتؤدي إلى قتل الكائنات الحية، وتقضي على النبات كما تلوث التربة. ولهذه العوامل الكيماوية السامة تأثيرات مختلفة، على من يتعرض لها حسب نوع العامل المستخدم، من أخطرها ما يلي :
1.عوامل الخسائر والإصابات، والتي تُحدث الضرر والتلف للجسم والموت، في حالة استعمالها بصورة مركزة مثل عوامل : الفوسيجين، السارين، الفي اكس، الخردل، الكلور.
2. عوامل مشلّة للحركة، وهي التي تحدث تأثيرا وقتيا جسميا أو عقليا أو كليهما ومنها عوامل ( B Z) و ( LSD 25 ).
لقد استخدمت العوامل الكيماوية السامة لأول مرة ضد العسكريين في الحرب العالمية الأولى بتاريخ 22 ابريل / نيسان 1915، حيث ألقى الألمان 150 طنا من عامل الكلور على جبهة ” الفلاندر ” في بلجيكا ضد القوات الفرنسية، مما تسبب بموت مئات الجنود اختناقا. ثم ما لبث أن تبعه استخدام عامل الخردل من قبل الطرفين المتحاربين، وهو ما يسبب عادة حروق في الجلود البشرية.
وإزاء هذا الخطر الذي شكله استخدام العوامل الكيماوية، وجهت اللجنة الدولية في عام 1918 نداء لحظر استخدام هذا النوع من الأسلحة، أعقبه نداء آخر بهذا الخصوص من قبل الصليب الأحمر عام 1921، ثم جرى اعتماد بروتوكول دولي في عام 1925، يحرّم استخدام هذه الأسلحة، حيث وقعت عليه العديد من دول العالم.
ولمواجهة هذا السلاح بوسائل دفاعية، جرى في وقت لاحق اختراع قناع الوقاية، واستخدام ابر الأتروبين ووسائل العلاج الأخرى، إضافة إلى عمليات التطهير الميداني للمصابين من الأفراد العسكريين والمعدات. أما بالنسبة للمدنيين فقد أقامت بعض الدول وسائل إنذار وملاجئ، مجهزة بالمرشحات ضد العوامل الكيماوية السامة، وتزويد المواطنين بأقنعة الوقاية عند الحاجة. وإذا ما استخدمت العوامل الكيماوية بصورة مفاجئة، فإن الإصابات تكون بأعداد كبيرة، وخاصة إذا لم يكن لدى الهدف المضروب وسائل الوقاية اللازمة والإنذار المبكر.
وهنا يبرز سؤالان هامان هما : ألا يعرف المخططون السوريون الذين اختاروا تلك الأهداف لقصفها من الجو، طبيعتها وما تحتويه من عوامل كيماوية سامة، أم تم ذلك بقصد وسبق إصرار ؟ ثم لماذا يتم الاحتفاظ بالعوامل الكيماوية على الأراضي السورية، طالما أن النظام السوري سلم ترسانته الكيماوية بكاملها إلى الأمم المتحدة، ووقع على اتفاقية حظر استخدام الأسلحة الكيماوية في أكتوبر/ تشرين أول 2013 ؟
ومن الجدير بالذكر إن تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أشارت بأن النظام السوري استخدم العوامل الكيماوية المحرمة دوليا حتى نهاية عام 2014، أكثر من خمسين مرة في 26 منطقة سورية. كان أشدها فتكا بالمدنيين الهجوم على غوطة دمشق في شهر أغسطس/ آب 2013 وأسفر عن مقتل 1400 شخص. كما دلت التقارير أيضا على أن النظام السوري يمتلك سبع منشاءات وستة مختبرات لتصنيع العوامل الكيماوية. فلمن هذه المصانع وما الحاجة إليها، بعد أن سلم النظام مخزونه الكيماوي ووقع على اتفاقية الحظر الكيماوي في وقت سابق ؟
فإن كان يُحرّم استخدام العوامل الكيماوية السامة في الحروب والاشتباكات على القوات العسكرية، فمن البديهي أن يطبق هذا بدرجة أكبر على السكان المدنيين في مختلف مواقعهم. فالمجزرة الكيماوية التي نفذها النظام السوري قبل أيام في خان شيخون، وتسببت باختناق وإصابة الكثير من المدنيين أطفالا ونساء وشيوخا، ما هي إلا جريمة دولية تصور الوحشية المعادية للإنسانية، التي انحدر إليها النظام السوري.
أي زعيم هذا الذي يرى صور الأطفال والمواطنين على الشاشات الفضائية، وهم يعانون من الاختناق في منظر يمزق نياط القلب، وفي الوقت ذاته يجلس الرئيس متربعا على كرسيه دون تأنيب من ضمير، أو إحساس بالمسئولية، بل ينحي باللائمة على الآخرين ؟
لقد آن الأوان لكي يرحل هذا النظام ممثلا برئيسة، وكما قال جلالة الملك عبد الله الثاني في مقابلته مع مراسلة صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية، يوم م الخميس 6 / 4 / 2017 : ” فالمنطق يقتضي بأن شخصا ارتبط اسمه بسفك دماء شعبه، من الأرجح أن يخرج من المشهد “. أعرف بأن عشاق الأسد يخالفون هذا المنطق، رغم كل القتل والتدمير والتهجير، وتدخلات إيران ووسيا وحزب الله تحت ذريعتهم المعتادة : “هل يترك بشار الأسد سوريا للإرهابيين ؟ “.
فهل سوريا التي أنجبت إبراهيم هنانو، خالد العظم، هاشم الأتاسي، شكري القوتلي، سعد الله الجابري، سلطان الأطرش، وغيرهم من الزعماء الوطنيين، قد أصابها العقم وأصبحت غير قادرة على إنجاب رجل يستطيع قيادة البلاد، إلا الزعيم الأوحد ؟ إن هؤلاء المؤيدين للأسد رغم أفعاله الشنيعة، يفضلون بقاءه متربعا على عرشه، حتى وإن كان ذلك على جماجم السوريين، دون اعتبار لمقارفاته التي سيُسأل عنها يوم الحساب.
في الختام أذكر بقوله تعالى : ( وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) الإسراء ـ 33. اللهم فرج كرب الشعب السوري وارحم الشهداء واشفي المصابين، إنك على كل شيء قدير.

