كيف تجنب الأردن وقوع مواجهات على حدوده الشمالية؟
توصلت دراسة تحليلية أجراها المستشار الأردني محمد صالح الملكاوي حول أبرز العمليات الإرهابية الرئيسية التي تعامل معها الأردن عامي 2015 و 2016 إلى أن الأردن أحبط بحكمة وهدوء محاولات التنظيمات الإرهابية في سوريا والعِراق الرامية إلى إقحام شمال المملكة في حرب برية خلال الرُبع الأول من العام الماضي.
واستنتجت الدراسة التحليلية بأن هذه التنظيمات الإرهابية كانت تتطلع إلى ربط شرق وجنوب سوريا وشمال وغرب العِراق مع شرق وشمال الأردن في معركة مفتوحة؛ بهدف تخفيف الضغط عن ” الأنبار و الموصل” في العرِاق و “الرِقة ودير الزور وتدمر” في سوريا.
كما استنتجت الدراسة بأن التنظيمات الإرهابية كانت تتابع عن كثب التقارير العسكرية والأمنية الغربية المنشورة في وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية والروسية ذات المصداقية العالية؛ والتي تحدثت آنذاك عن حرب برّية محتملة ستعقب مناورات “درع الشمال” السعودية في شباط 2016.

وقال المستشار الملكاوي بأنه تابع مختلف حِسابات التنظيمات الإرهابية على موقع “تويتر” بشكل رئيسي والتي كانت متفائلة بالحرب البرية من شمال المملكة؛ والتي يبدو أنها (التنظيمات) اتكأت على تصريحات عسكرية قال فيها الأدميرال المُتقاعد جايمس ستافريديس القائد السابق لقوات التحالف في حلف شمال الأطلسي (NATO) في شباط 2016 بأنه حال فشل وقف الأعمال العدائية في سوريا فإن الولايات المتحدة ستلجأ إلى الخطة الاحتياطية (B) والتي قد تشمل مشاركة قوات برية أردنية في الحرب السورية.
وأضاف بأنه أعقب ذلك في شباط 2016 تقارير عسكرية وإعلامية تتحدث عن توجه النيّة لدى الإدارة الأمريكية لإقامة جسرٍ جوي لنقل معدات عسكرية أمريكية للأردن؛ تلاه الإشارة إلى وجود قوات بريطانية وسعودية في تلك الفترة على الأراضي الأردنية؛ مسنودة بأسلحة ثقيلة للمُشاركة في الحرب البرية في الجنوب السوري.
وأشار إلى أن الإعلام الأمريكي ركز آنذاك على أن قواتٍ عسكرية سعودية تتهيأ لحربٍ برية في الجنوب السوري عبر الأردن؛ واحتمالية مرافقة قواتٍ أردنية لها.
وأظهرت مقاطع فيديو تداولتها مواقع إعلامية ومواقع تواصل اجتماعي قيل أنها لقوات عسكرية سعودية وكويتية في طريقها إلى سوريا عبر الأردن؛ إضافة إلى تأكيدات بعض قادة العشائر السورية آنذاك بأن القادة العسكريين السعوديين أجروا مهمّات استطلاعية في الجنوب السوري؛ إلى جانب وصول شحنات أسلحة متطورة للثوار السوريين.
واعتبر الملكاوي بأن ما أوردته مجلة Defense News الأمريكية في تلك الفترة برفض الأردن المُشاركة في أي حرب مُحتملةٍ في الجنوب السوري إلا بتفويض من الأمم المتحدة وتحت قيادة أمريكية أو بريطانية؛ وليس تحت قيادة عربية أو تركية؛ وحرص الأردن على التنسيق مع روسيا ما هو إلا دليل على رفض المملكة التورّط بحربٍ في سوريا دون غطاءٍ دولي؛ تتحمّل مسؤوليته الأمم المتحدة والقوى العظمى في مجلس الأمن الدولي
ولفت إلى أن التنظيمات الإرهابية أخذت التصريحات السورية التي أوردها موقع Debka File الاستخباري الإسرائيلي حول تهديدات النظام السوري للأردن إذا سمح لقواتٍ برّية وجوية سعودية باستخدام أراضيه للهجوم على سوريا على محمل الجد؛ حيث كانت تتوقع هذه التنظيمات بضغط سعودي وخليجي على الأردن لفتح جبهة برّية عبر أراضيه؛ مما سيُعطي النظام السوري الحق بضرب القواعد العسكرية والجوية الأردنية القريبة من الحدود المُشتركة بين البلدين بصواريخ بعيدة المدى؛ واشتباكات بين جيشي البلدين؛ مما سيُسهّل لها (أي التنظيمات الإرهابية) استباحة الحدود الأردنية كاستباحتها الحدود السورية والعراقية دخولاً وخروجاً.
وألمحت بعض تقارير سياسية وأمنية دولية إلى مخاوف أردنية كذلك من تحريك النظام السوري والأطراف الشيعية المُتحالفة معه بعض الخلايا النائمة في المملكة؛ خاصة المتواجدة في مخيّمي الزعتري والأزرق؛ حال سماحة لأي قوات عربية باستخدام أراضيه ضد الجنوب السوري.
وأكدت الدراسة بأن التنظيمات الإرهابية مُنيت بفشل ذريع بعدما أثبت الأردن أن أراضيه الشمالية لن تكون مسرحاً لعمليات عسكرية؛ كما كان يُشاع آنذاك؛ فيما ارتاح النظام السوري؛ عندما لمس حكمة القيادة الأردنية برفض أن يكون شمال المملكة ممراً لأي حرب برية مُحتملة في الجنوب السوري.
كما أكدت الدراسة بأن التنظيمات الإرهابية كانت تخطط بأن تُسهم الحرب البرية التي كانت متوقعة بربط الموصل والأنبار في العراق مع الرِقة ودير الزور بالبادية السورية مع شرق وشمال الأردن؛ والاقتراب من الحدود السعودية الشمالية؛ هذا إضافة إلى التواصل الميداني مع التنظيمات الإرهابية في صحراء سيناء المصرية وصولاً إلى ليبيا والمغرب العربي؛ وبهذا ستكون هذه التنظيمات متواجدة في صحارى شاسعة وممتدة؛ وقريبة من آبار النفط؛ وتطبيق شعارها بـ (التمدد) بين قارتي آسيا وإفريقيا؛ والوصول لشواطئ البحر المتوسط مع أوروبا؛ خاصة وأن هذه التنظيمات قد درّبت بعضاً من مُقاتليها (الذين اندسوا بين اللاجئين السوريين) على كيفية إقناع الأجهزة الأمنية الأوروبية بأنهم لاجئين؛ وليكونوا خلايا نائمة.
وقال الملكاوي إن التنظيمات الإرهابية بدأت بعد فشلها في إقحام شرق وشمال الأردن مع سوريا والعراق تُفكر جدياً بضرب شمال المملكة من خلال خلاياها التي كانت مستيقظة آنذاك؛ ولكنها مُنيت مرّة أخرى بالفشل بعدما اكتشفت الأجهزة الأمنية الأردنية مُبكراً بعض أفراد خلية مخيّم إربد؛ ومراقبتهم؛ ومداهمتهم بشكل مفاجئ قبل ساعة الصفر؛ وإحباط محاولتهم ضرب أهدافٍ استراتيجية في مدينة إربد.
وقال إنه بعد إحباط مخطط خلية مخيّم إربد شهد موقع “تويتر” حرباً إعلامية شرسة من قِبل التنظيمات الإرهابية تُهدد الجنود الأردنيين بالذبح والشوي على طريقة إحراق الشهيد الطيار معاذ الكساسبة.
وكشفت تقارير تلفزيونية في آذار 2016 عن مراسلات عبر “سكايب” بين خلايا إرهابية نشطة في الأردن وبعض الدول العربية؛ وذلك بهدف إثارة الفوضى الأمنية شمال المملكة.
وجاء في الدراسة التحليلية بأن إربد هي مدينة الجيل الثالث من السلفيين الجهاديين الموالين لما يُعرف بتنظيم داعش الإرهابي ISIS؛ فيما كانت الزرقاء هي مدينة الجيل الثاني (قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين التي أسسها أبو مصعب الزرقاوي)؛ والسلط هي مدينة الجيل الأول (المجاهدين العرب الأفغان الذين كانوا يتبعون تنظيم القاعدة)؛ هذا إلى جانب أن إربد أرسلت أكثر من (250) مقاتلاً لما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية ISIS؛ علاوة على وجود قيادات مؤيدة للتنظيم في مخيم إربد؛ وبعضهم التحق به وتبوأوا مراكز قيادية فيه.
واوضح الملكاوي بأن “المشروع الاستقصائي الأمريكي حول الإرهاب” أشار في آذار 2016 إلى أن الأردن سيتعرّض لمزيد من الهجمات الإرهابية إلى جانب كل من تركيا والسعودية؛ وهو ما حدث بالفعل خلال العام الماضي؛ حيث تم استهداف مواقع أمنية وعسكرية أردنية في مخيّم البقعة والرُكبان والكرك؛ مع أهمية ربط ذلك بما كانت تُخطط له خلية “الشوبك” الإرهابية التي تمّت مداهمتها بشكل استباقي ومفاجئ.
هذا وقدّرت تقارير أمنية وسياسية وإعلامية عدد أتباع جماعات التيار السلفي الجهادي في الأردن بحوالي (7) آلاف شخص؛ منهم حوالي (2500) موالين لما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية ISIS. فيما لفت الكاتب الأمريكي Joel C. Rosenberg في آذار 2016 عن احتمالية تجنيد ما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية ISIS لبعض اللاجئين السوريين لصالحه.
وأكدت الدراسة التحليلية بأن الأردن أفشل محاولات ما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية ISIS في فتح قنوات تواصل بريّة بين لواء شهداء اليرموك وحركة المُثنّى التابعة له وخلاياها المُستيقظة في الأردن؛ وخاصة شمال المملكة.
ويعتقد المستشار الملكاوي بأن التنظيمات الإرهابية ستحاول بعد خسارتها المتلاحقة في العِراق وسوريا إلى بناء جيل جديد أكثر فتكاً وشراسة؛ وضمن حلقات ضيّقة مع استخدام أساليب جديدة في تنفيذ أعمالها الإرهابية؛ والاعتماد أكثر على طريقة “سمكة الصحراء / السحلية”؛ (اضرب واختفي)؛ والذئاب المنفردة؛ دون الحاجة إلى امتلاك الأراضي الشاسعة.
وأعرب عن خشيته كذلك وفق الدراسة بأن تُركز التنظيمات الإرهابية في المرحلة القادمة على تحويل بعض الذئاب المنفردة وأتباعها غير المعروفين إلى جواسيس لها في مختلف دول العالم؛ ومنها الأردن بهدف استقاء المعلومات والتخريب الداخلي غير المرئي؛ بدلاً من القيام بأعمال إرهابية تلفت انتباه الإعلام مؤقتاً.
ولم يستبعد الملكاوي أن تلجأ هذه التنظيمات بدلاً من “سمكة الصحراء” إلى أسلوب “الحرباء” على سبيل المثال؛ التي تتلون حسب محيطها؛ علاوة على استغلال بعض الخلايا النائمة والذئاب المنفردة للطائرات بدون طيار أو الأسلحة الكيميائية في عمليات إرهابية في مختلف مناطق العالم؛ وهذا يستدعي أن تكون الأجهزة المختصة أكثر استشعاراً عن بُعد وتنبؤاً عن كيفية تفكير التنظيمات الإرهابية بابتداع طرق إرهابٍ جديدة.
وعلى ذات الصعيد لم يستبعد أن تتآلف بعض التنظيمات الإرهابية المُتقاتلة حالياً ولو مؤقتاً خاصة في الجنوب السوري بعد أن أصبحت مستهدفة من قِبل جميع الأطراف؛ لأن هذا سيفرض عليها أن تعمل معاً للبقاء على قيد الحياة. موضحاً بأن الخلافات فيما بينها؛ تتركز فقط بين قياداتها؛ وأسلوب وطريقة تنفيذ العمل الإرهابي؛ ولكن ليس على المبدأ الديني أو الفكري المُتطرّف الذي تؤمن به.
وتشير بعض التحليلات والتوقعات الأمنية والعسكرية (كما ذكر الملكاوي) بأن روسيا ليست حريصة في القضاء الكامل على ما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية ISIS في سوريا والعراق؛ لأنها لا تُريد للمُقاتلين الروس والشيشان ومن دول شرق أوروبا أن يعودوا إلى دولهم؛ حتى لا يُشكّلوا خطراً عليها أو على الدول والأنظمة الحليفة لها؛ وهذا بعكس التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الذي يُريد القضاء الكامل عليه؛ حتى يتفرّغ لقتاله وقتال التنظيمات المؤيدة له في سيناء وليبيا؛ وبعض الدول الإفريقية.
كما أن بعض الجهات والأطراف المُشاركة في الحرب السورية؛ والرافضة للدور الأردني في هذه الحرب حريصة على فتح ممرات آمنة نكاية بالأردن لمقاتلي التنظيمات الإرهابية لتكون قريبة من حدود مع سوريا؛ بهدف تضييق الخِناق عليها؛ لإجبارها لاحقاً على التسلل للأردن أو الاشتباك مع القوات الأردنية على الحدود؛ تمهيداً لتصدير التنظيمات الإرهابية ومقاتليها للأردن ودول الخليج العربي.
وعدّد المُستشار الملكاوي في دراسته التحليلية أنواع “حبال النجاة” التي يتم منحها للتنظيمات الإرهابية في بحر الإرهاب الغارقة فيه؛ وتجعل الكثيرين يتعاطفون معها؛ وأبرزها:
1. الحرب الدموية التي تشنّها القوات الإيرانية والمليشيات الشيعية على المسلمين السنّة تحديداً في العِراق وسوريا.
2. قسوة ووحشية القصف الروسي للمدن السورية التي كانت تُسيطر عليها المُعارضة السورية المُعتدلة؛ مما جعل المدنيين يدفعون ثمن هذه الوحشية بشكل خاص؛ لهذا يرون بأنه لا فرق بين وحشية التنظيمات الإرهابية التي يُسلّط الإعلام الدولي الضوء عليها؛ في حين تتجاهل القوى الدولية وحشية القصف الروسي.
3. تُساهم التصريحات العدائية المُتطرّفة للإسلام والمُسلمين من قِبل بعض كبار المسؤولين غير المسلمين في التعاطف أكثر مع التنظيمات الإرهابية.
4. اختلاف مرجعيات الإسلام السنّي؛ وتضارب الفتاوى؛ جعل المُسلمين السنّة في حيرة من أمرهم؛ مما منح التنظيمات الإرهابية القدرة على التسلل لأفكار المتطرّفين السنّة؛ وتوجيه اتهامات قاسية لمن يُسمونهم “علماء السلاطين”؛ وعدم الثقة بفتاواهم وآرائهم وأفكارهم؛ وهذا يصبّ بالتالي في مصلحة التنظيمات المتطرّفة؛ باعتبارهم يمثلون الإسلام غير المسيّس.
5. نجاح التنظيمات الإرهابية في الاستغلال الأمثل لمختلف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي؛ وفي مقدمتها “تويتر”؛ مقابل فشل استراتيجيات الدول العربية والإسلامية الإعلامية والتوعوية؛ في توضيح صورة الإسلام الوسطي المُعتدل؛ هذا إلى جانب عدم قدرتها (أي هذه الدول) في التصدّي للتطرّف الفكري داخلها.
واختتم المستشار الملكاوي حديثه بالقول؛ بأن على الدول العربية والإسلامية تحديداً أن تضع استراتيجية على مستوى العالم للتصدي للإرهاب والتطرّف الفكري؛ استناداً إلى وسطية الإسلام؛ مدعّمة بخطط وبرامج وأنشطة عملية وميدانية تتفق مع خصوصية كل دولة أو منطقة جغرافية؛ وتتواءم مع طبيعة شعوبها؛ وليس التركيز فقط على الشعارات الكبيرة والعبارات الطنّانة؛ التي (ملّ) المواطن من سماعها.
وركز على أهمية وجود وحدات (للتنبؤ المُبكّر والاستشعار عن بُعد) في الدول العربية والإسلامية؛ اعتماداً على مقاتلين مُرتدين عن التنظيمات الإرهابية؛ بهدف استباق الأفكار والأفعال التي تقوم بها التنظيمات المُتطرّفة. هذا إلى جانب الاستثمار الأفضل إسلامياً وإعلامياً للأشخاص المُرتدين عن هذه التنظيمات والذين اكتشفوا حقيقتها من داخلها.
وأعرب عن أمله في تشكيل تحالف شعبي إسلامي على مستوى الدول العربية والإسلامية لمحاربة الإرهاب والتصدي للفكر المُتطرّف؛ إضافة إلى توضيح حقيقة الإسلام للعالم من جهة؛ وبيان وسطيته الإسلام للمُسلمين من جهة ثانية
إضافة إلى شرح حقيقة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة المجزوءة التي تستند إليها التنظيمات الإرهابية في تبرير أعمالها الوحشية والإرهابية من جهة ثالثة؛ مدعّمة بأساليب إعلامية وتوعوية حديثة؛ ورسائل قصيرة جداً وقوية.
والتركيز على مقاطع فيديو قصيرة ذات مدلول إسلامي وإعلامي واضح ومؤثر؛ بكل لغات العالم حتى تصل إلى المسلمين في مختلف الدول.

