صحيفة الكترونية اردنية شاملة

دعوا ‘المركزي’ يعمل بحرية

0

قرار البنك المركزي الأخير برفع أسعار الفائدة نصف نقطة مئوية فتح شهية الكثير لإبداء الرأي وتقديم التحليلات على خطوة المركزي، وللأسف غالبية ما كتب لا يخرج عن إما باب النفاق أو باب النقد الذي لا يستند على اي اسس معرفية اقتصادية للاجراء.
حتى إن صفحات التواصل الاجتماعي مكنت غالبية الشعب الاردني من ان يكونوا محللين اقتصاديين مصرفيا ينتقدون او يمدحون قرار المركزي باعتبارهم قادرين على توصيل ارائهم بكل حرية الى الفضاء الالكتروني دون رقيب، مما اتاح فرصة لتوظيف هذا المشهد العبثي من قبل بعض الجهات الخارجية التي ساهمت بقوة في ترويج اخبار سلبية عن الدينار تم رصدها مؤخرا من الجهات امنية.
الحديث عن الاسباب الخفية التي دفعت المركزي الى اتخاذ مثل هذه الخطوة الجريئة في هذا الوضع يتطلب معرفة بعض المكونات الاقتصادية الاساسية للدينار ، واولى تلك المكونات هي ان ودائع الجهاز المصرفي بالدينار لم تنم بالشكل المطلوب او المتعارف عليه في سنة 2016، وهذا ليس بسبب (الدولرة) كما يحلوا للبعض وصفه، او كما يطلق البعض اشاعاته السامة من ان هناك تحول من الدينار على الدولار بسبب تردي الوضع الاقتصادي، وهو امر عار عن الصحة تماما.
فودائع الدينار لم تنم بالشكل المطلوب لان هناك صفقات استثمارية حدثت في عام 2016 وبداية 2017، وهو امر لا يتكرر الا لمرة واحدة، بمعنى انه قد لا يحدث في السنوات المقبلة بهذا الشكل، فصفقة صندوق الضمان لشراء حصة البنك الاسلامي للتنمية في البوتاس استنزفت ما يقارب ال76 مليون دينار ، وصفقة بنك الاتحاد للاستحواذ على 35 بالمائة من اسهم بنك دبي الاسلامي استهلكت من الودائع ما يقارب ال65 مليون دينار ، ولا ننسى صفقة البنك العربي الاخيرة المتعلقة ببيع اسهم الحريري بقيمة 1.2 مليار دولار استنزفت هي الاخرى ما يقارب ال100 مليون دينار من ودائع الدينار .
كما ان صندوق الضمان زاد في الآونة الاخيرة من عمليات استثماره في سندات الحكومة بنسبة 4 بالمائة، او ما يزيد على ال300 مليون دينار ، كلها جعلت رصيد الودائع بالدينار تتعرض لضغوط، وهي ضغوط ايجابية وليست سلبية، لانها متعلقة بصفقات استثمارية بالدرجة الاولى.
قرار المركزي الاخير برفع اسعار الفائدة في مكوناته وظروفه هو ذات القرار الذي اتخذه في عام 2011 من رفع لأسعار الفائدة على أدوات السياسة النقدية، بالرغم من أنه لم يكن هنالك ما يدل في حينه على وجود تطورات غير طبيعية في البيئة الاقتصادية المحلية التي تأثرت بما كان يجري في محيطها العربي, وهو الاجراء الذي تم ايضا بالرغم من عدم قيام الفيدرالي الاميركي باي تغيير في أسعار الفائدة لديه، الا انه تبين في عام 2012 صواب القرار الذي تبناه البنك المركزي كخطوة استباقية في حينه، وبناء على ذلك ايضا اجرى تعديلات عديدة على أسعار الفائدة لديه وغير من اتجاهات السياسة النقدية (توسعية او تشددية) في مناسبات عديدة استدعت ذلك خلال السنوات القليلة الماضية، في وقت حافظ الفيدرالي الاميركي على اسعار الفائدة المستهدفة لدية قريبة من الصفر منذ عام 2008 وحتى نهاية عام 2015.
من بين العوامل التي ينظر اليها البنك المركزي باهتمام عند اتخاذه قرارات السياسة النقدية هي الهوامش بين اسعار الفائدة على الدينار واسعار الفائدة على العملات الاجنبية بما في ذلك الدولار الأميركي وعملات الدول العربية المحيطة التي يتواجد بها عمالة اردنية كبيرة، اذ ضاقت هذه الهوامش مؤخرا مما اثر على تدفق التحويلات الادخارية للعاملين في الخارج، لذا جاء قرار البنك المركزي برفع اسعار الفائدة بهدف توسيع هذا الهامش ولتحقيق عائد مجز على المدخرات المحلية وتوفير مصادر تمويل اضافية للاستثمار المحلي، وبالتالي الحد من الاستهلاك غير الضروري والذي بدوره يسهم في تخفيض عجز الحساب الجاري لميزان المدفوعات.
من شأن القرار الاخير للبنك المركزي ايضا الاسهام في الحد من الضغوطات التضخمية المحتملة في المستقبل، خاصة في ظل توقع ارتفاع اسعار النفط مجددا خلال العام الحالي، والانعكاسات التضخمية لعدد من الاجراءات التي اتخذتها الحكومة خلال الفترة الماضية.
للتذكير ،،، تبلغ الموجودات الاجنبية للبنوك نحو 13.8 مليار دولار، وتحتفظ كذلك شركات الصرافة برصيد من العملات الاجنبية المختلفة كاف لتلبية الطلب على العملات الاجنبية، وخاصة الدولار الاميركي لكافة الغايات، ولا توجد اية قيود من اي نوع على حركة رؤوس الاموال من والى المملكة وهي السياسة المطبقة منذ عام 1997. اضافة الى ذلك فان صافي الاحتياطيات من العملات الاجنبية لدى البنك المركزي يزيد عن 13.4 مليار دولار، بما فيها الذهب ووحدات حقوق السحب الخاصة. ويكفي هذا المستوى من الاحتياطيات تغطية مستوردات المملكة مدة 7.5 شهرا وهو اكثر من كاف لتلبية الطلب على العملات الاجنبية. ولا بد هنا من الاشارة الى إن مدخولات المملكة من العملات الأجنبية تحقق مستويات مرتفعة تساهم في تعزيز احتياطيات المملكة من العملات الأجنبية وتسديد مدفوعات القروض الخارجية والمستوردات السلعية والخدمية، إذ بلغت مداخيل المملكة من العملات الأجنبية حوالي 26.2 مليار دولار و23.2 مليار دولار خلال عامي 2015 و2016 على التوالي. فمثلاً توزعت في عام 2016 كالتالي: الصادرات السلعية (7.5 مليار دولار)، الدخل السياحي (4.0 مليار دولار) وحوالات العاملين (3.7 مليار دولار) والمنح الخارجية (1.2 مليار دولار) وتدفقات الاستثمار المباشر (1.7 مليار دولار) لتشكل مجتمعة ما نسبته 78.4% من إجمالي مداخيل المملكة من العملة الأجنبية، في حين لا تزيد مساهمة القروض الخارجية (2.2 مليار دولار) عن 9.1بالمائة من إجمالي هذه المداخيل.
هنا لا بد من التاكيد على سلامة الوضع الاقتصادي في المملكة، بالرغم من كل ما يحدث في هذا الاقليم المضطرب، فعلاوة على سلامة الجهاز المصرفي الاردني بحسب كافة مؤشرات المتانة المالية، تمكن اقتصادنا الوطني من الاستمرار في تحقيق معدلات نمو موجبة، بلغ متوسطها 2.7 بالمائة خلال الفترة (2015-2012)، وإن كانت منخفضة بالمقارنة مع ما تحقق قبل عام 2008، أما خلال عام 2016، فقد سجل الاقتصاد الوطني نموا نسبته 2.0 بالمائة خلال الأرباع الثلاثة الأولى بالمقارنة مع 2.3 بالمائة خلال ذات الفترة من عام 2015، وفي حال استثناء قطاع الصناعة الاستخراجية فإن معدل النمو يظهر تحسناً في ادائه، وليرتفع الى 2.3 بالمائة مقابل 2.0 بالمائة خلال الفترة المقابلة من عام 2015، كما تتنوع مصادر نمو في القطاعات الاقتصادية بصورة أكبر عما كانت عليه خلال نفس الفترة من عام 2015، ويسجل هنا للبنك المركزي حرصه على تخفيف انعكاس قراره الاخير على كلفة الاستثمار في المملكة، وخاصة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، اذ ابقى على اسعار الفائدة على برامج اعادة التمويل لديه دون تغيير.
اخيرا اثبت البنك المركزي على مدار تجربته الطويلة استقلالية تامة في رسمه لتوجهات السياسة النقدية واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب دون تردد، بما يحقق هدفه الرئيس المتمثل بالمحافظة على الاستقرار النقدي والمصرفي في المملكة. حيث تمثل هذه الاستقلالية جوهر نجاح البنك، وتميزه بقدر عال من الموثوقية والمصداقية، ليس فقط محليا وانما خارجيا، ومن يقرأ تقارير المؤسسات المالية الدولية يدرك بوضوح صحة ذلك واعتراف هذه المؤسسات بسلامة نهج البنك المركزي وسياسته النقدية خلال مختلف الظروف التي مرت بها المملكة، وقد كرس البنك استقلاليته من خلال تجربته العملية الثرية الطويلة، المستندة الى المؤشرات الرقمية الدقيقة والتحليل الموضوعي والعلمي للمتغيرات الاقتصادية وغير الاقتصادية وتوقعاتها المستقبلية، لذلك اقولها بصراحة: دعوا البنك المركزي يعمل بحرية، فالثقة به جزء اساسي من بناء الثقة بالاقتصاد الوطني.
[email protected]
[email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.